فهرس الكتاب
وتبدو المناسبة بعيدة في ظاهر الأمر بين هذه الحقيقة وتلك.ولكن الصلة تبدو وثيقة عند قراءة الآية التالية: «مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ،وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ» ..فاللّه لطيف بعباده يرزق من يشاء.يرزق الصالح والطالح،والمؤمن والكافر.فهؤلاء البشر أعجز من أن يرزقوا أنفسهم شيئا وقد وهبهم اللّه الحياة،وكفل لهم أسبابها الأولية ولو منع رزقه عن الكافر والفاسق والطالح ما استطاعوا أن يرزقوا أنفسهم ولماتوا جوعا وعريا وعطشا،وعجزا عن أسباب الحياة الأولى،ولما تحققت حكمة اللّه من إحيائهم وإعطائهم الفرصة ليعملوا في الحياة الدنيا ما يحسب لهم في الآخرة أو عليهم.
ومن ثم أخرج الرزق من دائرة الصلاح والطلاح،والإيمان والكفر،وعلقه بأسبابه الموصولة بأوضاع الحياة العامة واستعدادات الأفراد الخاصة.وجعله فتنة وابتلاء.يجزي عليهما الناس يوم الجزاء.
ثم جعل الآخرة حرثا والدنيا حرثا يختار المرء منهما ما يشاء.فمن كان يريد حرث الآخرة عمل فيه،وزاد له اللّه في حرثه،وأعانه عليه بنيته،وبارك له فيه بعمله.وكان له مع حرث الآخرة رزقه المكتوب له في هذه الأرض لا يحرم منه شيئا.بل إن هذا الرزق الذي يعطاه في الأرض قد يكون هو بذاته حرث الآخرة بالقياس إليه،حين يرجو وجه اللّه في تثميره وتصريفه والاستمتاع به والإنفاق منه ..ومن كان يريد حرث الدنيا أعطاه اللّه من عرض الدنيا رزقه المكتوب له لا يحرم منه شيئا.ولكن لم يكن له في الآخرة نصيب.فهو لم يعمل في حرث الآخرة شيئا ينتظر عليه ذلك النصيب! ونظرة إلى طلاب حرث الدنيا وطلاب حرث الآخرة،تكشف عن الحماقة في إرادة حرث الدنيا! فرزق الدنيا يتلطف اللّه فيمنحه هؤلاء وهؤلاء.فلكل منهما نصيبه من حرث الدنيا وفق المقدور له في علم اللّه.ثم يبقى حرث الآخرة خالصا لمن أراده وعمل فيه.
ومن طلاب حرث الدنيا نجد الأغنياء والفقراء بحسب أسباب الرزق المتعلقة بالأوضاع العامة والاستعدادات الخاصة.وكذلك نجد الحال عند طلاب حرث الآخرة سواء بسواء.ففي هذه الأرض لا اختلاف بين الفريقين في قضية الرزق.إنما يظهر الاختلاف والامتياز هناك! فمن هو الأحمق الذي يترك حرث الآخرة.وتركه لا يغير من أمره شيئا في هذه الحياة؟!
والأمر في النهاية مرتبط بالحق والميزان الذي نزل به الكتاب من عند اللّه.فالحق والعدل ظاهران في تقدير الرزق لجميع الأحياء.وفي زيادة حرث الآخرة لمن يشاء.وفي حرمان الذين يريدون حرث الدنيا من حرث الآخرة يوم الجزاء ...
ومن ثم يبدأ جولة أخرى حول الحقيقة الأولى:«أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ؟ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ،وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ،وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ،لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ