ومع الخلق والهيمنة العلم الشامل اللطيف،يصور النص القرآني مجاله تصويرا عجيبا يشغل القلب بتتبعه في هذا المجال الوسيع،وبتصوره في حركة دائمة لا تفتر.وهذا أمر غير مجرد ذكر العلم وحقيقته المجردة.أمر مؤثر موح يملأ جوانب النفس،ويشغل خوالج القلب،وتترامى به سبحات التصور ووثبات الخيال: «يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها،وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها» ..وفي كل لحظة يلج في الأرض ما لا عداد له ولا حصر من شتى أنواع الأحياء والأشياء ويخرج منها ما لا عداد ولا حصر من خلائق لا يعلمها إلا اللّه.وفي كل لحظة ينزل من السماء من الأمطار والأشعة والنيازك والشهب،والملائكة والأقدار والأسرار ويعرج فيها كذلك من المنظور والمستور ما لا يحصيه إلا اللّه ..والنص القصير يشير إلى هذه الحركة الدائبة التي لا تنقطع،وإلى هذه الأحداث الضخام التي لا تحصى ويدع القلب البشري في تلفت دائم إلى ما يلج في الأرض وما يخرج منها،وما ينزل من السماء وما يعرج فيها،وفي تصور يقظ لعلم اللّه الشامل وهو يتبع هذه الحركات والأحداث،في مساربها ومعارجها.
والقلب في تلفته ذاك وفي يقظته هذه يعيش مع اللّه،ويسيح في ملكوته بينما هو ثاو في مكانه ويسلك فجاج الكون ويجوب أقطار الوجود في حساسية وفي شفافية،وفي رعشة من الروعة والانفعال.وبينما القلب في تلفته ذاك في الأرض والسماء،إذا القرآن يرده إلى ذاته،ويلمسه في صميمه.وإذا هو يجد اللّه معه،ناظرا إليه،مطلعا عليه،بصيرا بعمله،قريبا جد قريب: « وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ،وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» ..
وهي كلمة على الحقيقة لا على الكناية والمجاز.فاللّه - سبحانه - مع كل أحد،ومع كل شيء، في كل وقت،وفي كل مكان.مطلع على ما يعمل بصير بالعباد.وهي حقيقة هائلة حين يتمثلها القلب.حقيقة مذهلة من جانب،ومؤنسة من جانب.مذهلة بروعة الجلال.ومؤنسة بظلال القربى.وهي كفيلة وحدها حين يحسها القلب البشري على حقيقتها أن ترفعه وتطهره،وتدعه مشغو لا بها عن كل أعراض الأرض كما تدعه في حذر دائم وخشية دائمة،مع الحياة والتحرج من كل دنس ومن كل إسفاف.
ومرة أخرى يعود إلى ملكية السماوات والأرض في مجال آخر غير الذي وردت فيه أول مرة: «لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» ..ففي المرة الأولى جاء ذكرها في معرض الإحياء والإماتة والقدرة المطلقة.وهنا يجيء ذكرها في معرض رجعة الأمور كلها إلى اللّه.وهي متصلة بملكية اللّه للسماوات والأرض ومكملة لحقيقتها.والشعور بهذه الحقيقة يحرس القلب من كل لفتة لغير اللّه في أي أمر.في أول الأمر وفي آخره.ويحميه من التطلع لغير اللّه في أي طلب،ومراقبة غير اللّه في أي