فهرس الكتاب

الصفحة 3151 من 4997

ثم يجمل قصة موسى في الرسالة والتكذيب لتتمشى مع نسق العرض وهدفه المقصود: « ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ،إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ.فَقالُوا:أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ؟ فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ» .

ويبرز في هذا الاستعراض الاعتراض ذاته على بشرية الرسل: «فَقالُوا:أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا» .ويريد عليه تلك الملابسة الخاصة بوضع بني إسرائيل في مصر: «وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ» مسخرون خاضعون.وهي ادعى - في اعتبار فرعون وملئه - إلى الاستهانة بموسى وهارون!

فأما آيات اللّه التي معهما،وسلطانه الذي بأيديهما،فكل هذا لا إيقاع له في مثل تلك القلوب المطموسة ،المستغرقة في ملابسات هذه الأرض،وأوضاعها الباطلة،وقيمها الرخيصة.

الدرس الخامس:49 - 50 إشارة لموسى وعيسى عليهما السلام

وإشارة مجملة إلى عيسى ابن مريم وأمه.والآية البارزة في خلقه.وهي كآيات موسى كذب بها المكذبون. «وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ.وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً،وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ» ..

وتختلف الروايات في تحديد الربوة المشار إليها في هذا النص ..أين هي؟ أكانت في مصر،أم في دمشق،أم في بيت المقدس ..وهي الأماكن التي ذهبت إليها مريم بابنها في طفولته وصباه - كما تذكر كتبهم - وليس المهم تحديد موضعها،إنما المقصود هو الإشارة إلى إيواء اللّه لهما في مكان طيب،ينضر فيه النبت،ويسيل فيه الماء،ويجدان فيه الرعاية والإيواء.

الدرس السادس:51 - 52 وحدة الرسالة والرسل والأمة الواحدة

وعند ما يصل إلى هذه الحلقة من سلسلة الرسالات،يتوجه بالخطاب إلى أمة الرسل وكأنما هم متجمعون في صعيد واحد،في وقت واحد،فهذه الفوارق الزمانية والمكانية لا اعتبار لها أمام وحدة الحقيقة التي تربط بينهم جميعا:يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا.إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ» ..

إنه نداء للرسل ليمارسوا طبيعتهم البشرية التي ينكرها عليهم الغافلون: «كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ» ..فالأكل من مقتضيات البشرية عامة،أما الأكل من الطيبات خاصة فهو الذي يرفع هذه البشرية ويزكيها ويصلها بالملأ الأعلى.ونداء لهم ليصلحوا في هذه الأرض: «وَاعْمَلُوا صالِحًا» ..فالعمل هو من مقتضيات البشرية كذلك.أما العمل الصالح فهو الذي يميز الصالحين المختارين فيجعل لعملهم ضابطا وهدفا،وغاية موصولة بالملأ الأعلى.

وليس المطلوب من الرسول أن يتجرد من بشريته.إنما المطلوب أن يرتقي بهذه البشرية فيه إلى أفقها الكريم الوضيء، الذي أراده اللّه لها،وجعل الأنبياء روادا لهذا الأفق ومثلا أعلى.واللّه هو الذي يقدر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت