إن اللّه - سبحانه - هو خالق الخلائق جميعا،وعنده أسرار خلقهم،وحكمة اختلاف خصائصهم وطباعهم.وهو يترك المكذبين من البشر صما وبكما في الظلمات،ويضل من يشاء ويهدي من يشاء وفق ما يعلمه من حكمة الخلق والتنويع ..
« قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ.فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ.وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» ..
إن مشركي العرب في جاهليتهم - وخاصة تلك الطبقة التي كانت تتصدى للدعوة من قريش - لم يكونوا يشكون في صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - فلقد عرفوه صادقا أمينا،ولم يعلموا عنه كذبة واحدة في حياته الطويلة بينهم قبل الرسالة،كذلك لم تكن تلك الطبقة التي تتزعم المعارضة لدعوته تشك في صدق رسالته،وفي أن هذا القرآن ليس من كلام البشر،ولا يملك البشر أن يأتوا بمثله ..
ولكنهم - على الرغم من ذلك - كانوا يرفضون إظهار التصديق،ويرفضون الدخول في الدين الجديد! إنهم لم يرفضوا لأنهم يكذبون النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن لأن في دعوته خطرا على نفوذهم ومكانتهم ..وهذا هو السبب الذي من أجله قرروا الجحود بآيات اللّه،والبقاء على الشرك الذي كانوا فيه ..والأخبار التي تقرر الأسباب الحقيقية لموقف قريش هذا وحقيقة ظنهم بهذا القرآن كثيرة:
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ:حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ:حُدِّثْتُ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ،وَأَبَا سُفْيَانَ،وَالْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ،خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فِي بَيْتِهِ،وَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسًا لِيَسْتَمِعَ فِيهِ،وَكُلٌّ لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِ صَاحِبِهِ،فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا أَصْبَحُوا وَطَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا،فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ فَتَلَاوَمُوا،وَقَالَ:بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:لَا تَعُودُوا فَلَوْ رَآكُمْ بَعْضُ سُفَهَائِكُمْ لَأَوقَعْتُمْ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا , ثُمَّ انْصَرَفُوا حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ عَادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى مَجْلِسِهِ،فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا،فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ،فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مِثْلَ مَا قَالُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ ., ثُمَّ انْصَرَفُوا فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ،فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا،فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ،فَقَالُوا:لَا نَبْرَحُ حَتَّى نَتَعَاهَدَ لَا نَعُودُ،فَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ،ثُمَّ تَفَرَّقُوا فَلَمَّا أَصْبَحَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ أَخَذَ عَصَاهُ , ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ فِي بَيْتِهِ فَقَالَ:أَخْبِرْنِي يَا أَبَا حَنْظَلَةَ عَنْ رَأْيِكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ فَقَالَ:يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ أَشْيَاءَ أَعْرِفُهَا وَأَعْرِفُ مَا يُرَادُ بِهَا .فَقَالَ الْأَخْنَسُ:وَأَنَا وَالَّذِي حَلَفْتُ بِهِ , ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى أَتَى أَبَا جَهْلٍ،فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ:يَا أَبَا الْحَكَمِ مَا رَأْيُكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ ؟ فَقَالَ:مَاذَا سَمِعْتَ ؟ تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ الشَّرَفَ ؛ أَطْعَمُوا فَأَطْعَمْنَا،وَحَمَلُوا فَحَمَلْنَا،وَأَعْطَوْا فَأَعْطَيْنَا حَتَّى إِذَا تَجَاثَيْنَا عَلَى الرُّكَبِ وَكُنَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ