قَالُوا:مِنَّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ،فَمَتَى نُدْرِكُ هَذِهِ ؟ وَاللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِهِ أَبَدًا،وَلَا نُصَدِّقُهُ،فَقَامَ عَنْهُ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ" [1] .."
وروى ابن جرير عَنِ السُّدِّيِّ،فِي قَوْلِهِ:قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ:لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ لِبَنِي زُهْرَةَ:يَا بَنِي زُهْرَةَ،إِنَّ مُحَمَّدًا ابْنُ أُخْتِكُمْ،فَأَنْتُمْ أَحَقُّ مَنْ كَفَّ عَنْهُ،فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ نَبِيًّا لِمَ تُقَاتِلُونَهُ الْيَوْمَ ؟ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا كُنْتُمْ أَحَقَّ مَنْ كَفَّ عَنِ ابْنِ أُخْتَهِ،قِفُوا هَهُنَا حَتَّى أَلْقَى أَبَا الْحَكَمِ،فَإِنْ غَلَبَ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - رَجَعْتُمْ سَالِمِينَ،وَإِنْ غُلِبَ مُحَمَّدٌ فَإِنَّ قَوْمَكُمْ لَا يَصْنَعُونَ بِكُمْ شَيْئًا،فَيَوْمَئِذٍ سُمِّيَ الْأَخْنَسَ،وَكَانَ اسْمُهُ أُبَيًّا .فَالْتَقَى الْأَخْنَسُ وَأَبُو جَهْلٍ،فَخَلَا الْأَخْنَسُ بِأَبِي جَهْلٍ،فَقَالَ:يَا أَبَا الْحَكَمِ،أَخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ أَصَادِقٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ ؟ فَإِنَّهُ لَيْسَ هَهُنَا مِنْ قُرَيْشٍ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُكَ يَسْمَعُ كَلَامَنَا .فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ:وَيْحَكَ،وَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ،وَمَا كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ،وَلَكِنْ إِذَا ذَهَبَ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّوَاءِ وَالْحِجَابَةِ وَالسِّقَايَةِ وَالنُّبُوَّةِ،فَمَاذَا يَكُونُ لِسَائِرِ قُرَيْشٍ ؟ فَذَلِكَ قَوْلُهُ:فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ،فَآيَاتُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - [2] ..
ونلاحظ:أن السورة مكية،وهذه الآية مكية لا شك في ذلك بينما الحادثة المذكورة كانت في المدينة يوم بدر ..ولكن إذا عرفنا أنهم كانوا يقولون أحيانا عن آية ما: «فذلك قوله:كذا ..» ويقرنون إليها حادثا ما لا للنص على أنها نزلت بسبب الحادث الذي يذكرونه ولكن بسبب انطباق مدلولها على الحادث،بغض النظر عما إذا كان سابقا أو لاحقا ..فإننا لا نستغرب هذه الرواية ..
وقال ابن إسحاق:حدثني يزيد بن زياد،عن محمد بن كعب القُرَظي قال:حُدِّثْتُ أن عتبة بن ربيعة -وكان سيدا-قال يوما وهو جالس في نادي قريش،ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس في المسجد وحده:يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها،فنعطيه أيَّها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة،ورأوا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيدون ويكثرون،فقالوا:بلى يا أبا الوليد،فقم إليه فكلمه .فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:يا ابن أخي،إنك منا حيث قد علمت من السِّطَة في العشيرة،والمكان في النسب،وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم،فرقت به جماعتهم،وسفهت به أحلامهم،وعبت به آلهتهم ودينهم،وكفرت به من مضى من آبائهم،فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها.قال:فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"قل يا أبا الوليد،أسمع".قال:يا ابن أخي،إن كنت إنما تريدُ بما جئتَ به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون من أكثرنا أموالا .وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا،حتى لا نقطع أمرًا دونك.وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا.وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيّا تراه لا تستطيع رده عن
(1) - دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ (511 ) فيه انقطاع
(2) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (12025 ) حسن مرسل