الناس ما يحفزهم إلى الصلاح والإنتاج.أما حين يضطرب ميزان الحكم فإذا المعتدون المفسدون مقربون إلى الحاكم مقدمون في الدولة وإذا العاملون الصالحون منبوذون أو محاربون.فعندئذ تتحول السلطة في يد الحاكم سوط عذاب وأداة إفساد.ويصير نظام الجماعة إلى الفوضى والفساد.
ثم عاد ذو القرنين من،ممكنا له في الأرض،ميسرة له الأسباب: « ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا.حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا.كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا» .
وما قيل عن مغرب الشمس يقال عن مطلعها.فالمقصود هو مطلعها من الأفق الشرقي في عين الرائي.
والقرآن لم يحدد المكان.ولكنه وصف طبيعته وحال القوم الذي وجدهم ذو القرنين هناك: «حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا» ..أي إنها أرض مكشوفة،لا تحجبها عن الشمس مرتفعات ولا أشجار.فالشمس تطلع على القوم فيها حين تطلع بلا ساتر ..وهذا الوصف ينطبق على الصحارى والسهوب الواسعة.فهو لا يحدد مكانا بعينه.وكل ما نرجحه أن هذا المكان كان في أقصى الشرق حيث يجد الرائي أن الشمس تطلع على هذه الأرض المستوية المكشوفة،وقد يكون ذلك على شاطىء إفريقية الشرقي.وهناك احتمال لأن يكون المقصود بقوله: «لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا» أنهم قوم عراة الأجسام لم يجعل لهم سترا من الشمس ...
ولقد أعلن ذو القرنين من قبل دستوره في الحكم،فلم يتكرر بيانه هنا،ولا تصرفه في رحلة المشرق لأنه معروف من قبل،وقد علم اللّه كل ما لديه من أفكار واتجاهات.
ونقف هنا وقفة قصيرة أمام ظاهرة التناسق الفني في العرض ..فإن المشهد الذي يعرضه السياق هو مشهد مكشوف في الطبيعة:الشمس ساطعة لا يسترها عن القوم ساتر.وكذلك ضمير ذي القرنين ونواياه كلها مكشوفة لعلم اللّه ..وكذلك يتناسق المشهد في الطبيعة وفي ضمير ذي القرنين على طريقة التنسيق القرآنية الدقيقة.
الدرس الرابع:92 - 98 ذو القرنين وسد يأجوج ومأجوج
« ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا.حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا.قالُوا:يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ،فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا؟ قالَ:ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا.آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ.حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ:انْفُخُوا.حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نارًا قالَ:آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا.فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا.قالَ:هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي،فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ،وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا» .