فهرس الكتاب

الصفحة 2950 من 4997

ونحن لا نستطيع أن نجزم بشيء عن المكان الذي بلغ إليه ذو القرنين «بَيْنَ السَّدَّيْنِ» ولا ما هما هذان السدان.كل ما يؤخذ من النص أنه وصل إلى منطقة بين حاجزين طبيعيين،أو بين سدين صناعيين.تفصلهما فجوة أو ممر.فوجد هنالك قوما متخلفين: «لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا» .

وعند ما وجدوه فاتحا قويا،وتوسموا فيه القدرة والصلاح ..عرضوا عليه أن يقيم لهم سدا في وجه يأجوج ومأجوج الذين يهاجمونهم من وراء الحاجزين،ويغيرون عليهم من ذلك الممر،فيعيثون في أرضهم فسادا ولا يقدرون هم على دفعهم وصدهم ..وذلك في مقابل خراج من المال يجمعونه له من بينهم.

وتبعا للمنهج الصالح الذي أعلنه ذلك الحاكم الصالح من مقاومة الفساد في الأرض فقد رد عليهم عرضهم الذي عرضوه من المال وتطوع بإقامة السد ورأى أن أيسر طريقة لإقامته هي ردم الممر بين الحاجزين الطبيعيين فطلب إلى أولئك القوم المتخلفين أن يعينوه بقوتهم المادية والعضلية: «فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا.آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ» ..فجمعوا له قطع الحديد،وكومها في الفتحة بين الحاجزين،فأصبحا كأنهما صدفتان تغلفان ذلك الكوم بينهما. «حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ» وأصبح الركام بمساواة القمتين «قالَ:انْفُخُوا» على النار لتسخين الحديد «حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نارًا» كله لشدة توهجه واحمراره «قالَ:آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا» أي نحاسا مذابا يتخلل الحديد،ويختلط به فيزيده صلابة.

وقد استخدمت هذه الطريقة حديثا في تقوية الحديد فوجد أن إضافة نسبة من النحاس إليه تضاعف مقاومته وصلابته.وكان هذا الذي هدى اللّه إليه ذا القرنين،وسجله في كتابه الخالد سبقا للعلم البشري الحديث بقرون لا يعلم عددها إلا اللّه.

بذلك التحم الحاجزان،وأغلق الطريق على يأجوج ومأجوج «فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ» ويتسوروه «وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا» فينفذوا منه.وتعذر عليهم أن يهاجموا أولئك القوم الضعاف المتخلفين.فأمنوا واطمأنوا [1] .

ونظر ذو القرنين إلى العمل الضخم الذي قام به،فلم يأخذه البطر والغرور،ولم تسكره نشوة القوة والعلم.ولكنه ذكر اللّه فشكره.ورد إليه العمل الصالح الذي وفقه إليه.وتبرأ من قوته إلى قوة اللّه،وفوض إليه الأمر،وأعلن ما يؤمن به من أن الجبال والحواجز والسدود ستدك قبل يوم القيامة،فتعود الأرض سطحا أجرد مستويا: « قالَ:هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي،فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ.وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا» ..

(1) - كشف سد بمقربة من مدينة «ترمذ» عرف بباب الحديد. وقد مر به في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي العالم الألماني (سيلدبرجر) وسجله في كتابه. وكذلك ذكره المؤرخ الاسباني (كلافيجو) في رحلته سنة 1403 وقال:إن سد مدينة باب الحديد على الطريق - سمرقند والهند .. وقد يكون هو السد الذي بناه ذو القرنين .. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت