فهرس الكتاب

الصفحة 4397 من 4997

وهما بهذا ترسمان الجانب الأصيل في شخصية المسلم ..الصدق ..والاستقامة.وأن يكون باطنه كظاهره،وأن يطابق فعله قوله ..إطلاقا ..وفي حدود أبعد مدى من موضوع القتال الذي يجيء في الآية الثالثة.وهذه السمة في شخصية المسلم يدق القرآن عليها كثيرا،وتتابعها السنة في تكرار يزيدها توكيدا:يقول اللّه تعالى منددا باليهود: «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ.أَفَلا تَعْقِلُونَ؟» ..ويقول تعالى منددا بالمنافقين: «وَيَقُولُونَ:طاعَةٌ.فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ» ..ويقول فيهم كذلك: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ،وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ» ..عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ،وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ،وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ » [1] ..

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ » [2] .

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.ولعل الحديث الذي سنذكره هنا من أدق وألطف التوجيهات النبوية الكريمة في هذا الاتجاه ..روى الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ،أَنَّهُ قَالَ:أَتَانَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي بَيْتِنَا وَأَنَا صَبِيٌّ،قَالَ:فَذَهَبْتُ أَخْرُجُ لأَلْعَبَ،فَقَالَتْ أُمِّي:يَا عَبْدَ اللهِ تَعَالَ أُعْطِكَ،فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيَهُ ؟ قَالَتْ:أُعْطِيهِ تَمْرًا،قَالَ:فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تَفْعَلِي كُتِبَتْ عَلَيْكِ كَذْبَةٌ. [3] ..

ولعله استقاء من هذا النبع النبوي الطاهر الرائق امتنع الإمام أحمد بن حنبل - رضي اللّه عنه - من الرواية من رجل سافر إليه مسافات شاسعة ليأخذ عنه حديثا.حينما وجده يضم حجره ويدعو بغلته يوهمها بطعام وحجره فارغ! فتحرج أن يروي عنه،وقد كذب على بغلته! فهذا بناء أخلاقي دقيق نظيف لضمير المسلم وشخصيته التي تليق بمن يقوم أمينا على منهج اللّه في الأرض.

وهو الأمر الذي تقرره هذه السورة.وهذه حلقة من حلقات التربية في الجماعة المسلمة التي يعدها اللّه لتقوم على هذا الأمر.

فإذا جئنا للموضوع المباشر الذي كانت هذه الآيات تواجهه عند نزولها ..وهو موضوع الجهاد ..فإننا نقف أمام موضوعات شتى للحديث والملاحظة والعبرة.

(1) - صحيح البخارى- المكنز [1 /67] (33 ) وصحيح مسلم- المكنز [1 /258] (220)

(2) - صحيح مسلم- المكنز [1 /257] (219 )

(3) - مسند أحمد (عالم الكتب) [5 /394] (15702) 15793 حسن لغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت