فهرس الكتاب
فالطاغية - وهو فرد - لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين،لو أنها شعرت بإنسانيتها وكرامتها وعزتها وحريتها.وكل فرد فيها هو كفء للطاغية من ناحية القوة ولكن الطاغية يخدعها فيوهمها أنه يملك لها شيئا! وما يمكن أن يطغى فرد في أمة كريمة أبدا.وما يمكن أن يطغى فرد في أمة رشيدة أبدا.وما يمكن أن يطغى فرد في أمة تعرف ربها وتؤمن به وتأبى أن تتعبد لواحد من خلقه لا يملك لها ضرا ولا رشدا! فأما فرعون فوجد في قومه من الغفلة ومن الذلة ومن خواء القلب من الإيمان،ما جرؤ به على قول هذه الكلمة الكافرة الفاجرة: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى » ..وما كان ليقولها أبدا لو وجد أمة واعية كريمة مؤمنة،تعرف أنه عبد ضعيف لا يقدر على شيء.وإن يسلبه الذباب شيئا لا يستنقذ من الذباب شيئا!
وأمام هذا التطاول الوقح،بعد الطغيان البشع،تحركت القوة الكبرى: «فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى » ..ويقدم هنا نكال الآخرة على نكال الأولى ..لأنه أشد وأبقى.فهو النكال الحقيقي الذي يأخذ الطغاة والعصاة بشدته وبخلوده ..ولأنه الأنسب في هذا السياق الذي يتحدث عن الآخرة ويجعلها موضوعه الرئيسي ..ولأنه يتسق لفظيا مع الإيقاع الموسيقي في القافية بعد اتساقه معنويا مع الموضوع الرئيسي،ومع الحقيقة الأصيلة.ونكال الأولى كان عنيفا قاسيا.فكيف بنكال الآخرة وهو أشد وأنكى؟ وفرعون كان ذا قوة وسلطان ومجد موروث عريق فكيف بغيره من المكذبين؟ وكيف بهؤلاء الذين يواجهون الدعوة من المشركين؟ «إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى » ..
فالذي يعرف ربه ويخشاه هو الذي يدرك ما في حادث فرعون من العبرة لسواه.أما الذي لا يعرف قلبه التقوى فبينه وبين العبرة حاجز،وبينه وبين العظة حجاب.حتى يصطدم بالعاقبة اصطداما.وحتى يأخذه اللّه نكال الآخرة والأولى.وكل ميسر لنهج،وكل ميسر لعاقبة.والعبرة لمن يخشى ..
ومن هذه الجولة في مصارع الطغاة المعتدين بقوتهم،يعود إلى المشركين المعتزين بقوتهم كذلك.فيردهم إلى شيء من مظاهر القوة الكبرى،في هذا الكون الذي لا تبلغ قوتهم بالقياس إليه شيئا: «أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ؟ بَناها.رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها.وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها.وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها.أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها.وَالْجِبالَ أَرْساها.مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ» ..
وهو استفهام لا يحتمل إلا إجابة واحدة بالتسليم الذي لا يقبل الجدل: «أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ؟» ..السماء! بلا جدال ولا كلام! فما الذي يغركم من قوتكم والسماء أشد خلقا منكم،والذي خلقها أشد منها؟
هذا جانب من إيحاء السؤال.وهناك جانب آخر.فما الذي تستصعبونه من أمر بعثكم؟ وهو خلق السماء وهي أشد من خلقكم وبعثكم هو إعادة لخلقكم،والذي بنى السماء وهي أشد،قادر على إعادتكم وهي أيسر! هذه السماء الأشد خلقا بلا مراء .. «بَناها» ..والبناء يوحي بالقوة