فهرس الكتاب
والتماسك،والسماء كذلك.متماسكة.لا تختل ولا تتناثر نجومها وكواكبها.ولا تخرج من أفلاكها ومداراتها،ولا تتهاوى ولا تنهار.فهي بناء ثابت وطيد متماسك الأجزاء. « رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها» ..وسمك كل شيء قامته وارتفاعه.والسماء مرفوعة في تناسق وتماسك.وهذه هي التسوية: «فَسَوَّاها» ..والنظرة المجردة والملاحظة العادية تشهد بهذا التناسق المطلق.والمعرفة بحقيقة القوانين التي تمسك بهذه الخلائق الهائلة وتنسق بين حركاتها وآثارها وتأثراتها،توسع من معنى هذا التعبير،وتزيد في مساحة هذه الحقيقة الهائلة،التي لم يدرك الناس بعلومهم إلا أطرافا منها،وقفوا تجاهها مبهورين،تغمرهم الدهشة،وتأخذهم الروعة،ويعجزون عن تعليلها بغير افتراض قوة كبرى مدبرة مقدرة،ولو لم يكونوا من المؤمنين بدين من الأديان إطلاقا!
«وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها» ..وفي التعبير شدة في الجرس والمعنى،يناسب الحديث عن الشدة والقوة.وأغطش ليلها أي أظلمه.وأخرج ضحاها.أي:أضاءها.ولكن اختيار الألفاظ يتمشى في تناسق مع السياق ..وتوالي حالتي الظلام والضياء،في الليل والضحى الذي هو أول النهار،حقيقة يراها كل أحد ويتأثر بها كل قلب.وقد ينساها بطول الألفة والتكرار،فيعيد القرآن جدتها بتوجيه المشاعر إليها.وهي جديدة أبدا.تتجدد كل يوم،ويتجدد الشعور بها والانفعال بوقعها.فأما النواميس التي وراءها فهي كذلك من الدقة والعظمة بحيث تروع وتدهش من يعرفها.فتظل هذه الحقيقة تروع القلوب وتدهشها كلما اتسع علمها وكبرت معرفتها!
«وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها.أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها.وَالْجِبالَ أَرْساها» ..ودحو الأرض تمهيدها وبسط قشرتها،بحيث تصبح صالحة للسير عليها،وتكوين تربة تصلح للإنبات،وإرساء الجبال وهو نتيجة لاستقرار سطح الأرض ووصول درجة حرارته إلى هذا الاعتدال الذي يسمح بالحياة.
واللّه أخرج من الأرض ماءها سواء ما يتفجر من الينابيع،أو ما ينزل من السماء فهو أصلا من مائها الذي تبخر ثم نزل في صورة مطر.وأخرج من الأرض مرعاها وهو النبات الذي يأكله الناس والأنعام وتعيش عليه الأحياء مباشرة وبالواسطة ..
وكل أولئك قد كان بعد بناء السماء،وبعد إغطاش الليل وإخراج الضحى.والنظريات الفلكية الحديثة تقرب من مدلول هذا النص القرآني حين تفترض أنه قد مضى على الأرض مئات الملايين من السنين،وهي تدور دوراتها ويتعاقب الليل والنهار عليها قبل دحوها وقبل قابليتها للزرع.وقبل استقرار قشرتها على ما هي عليه من مرتفعات ومستويات.
والقرآن يعلن أن هذا كله كان: «مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ» ..فيذكر الناس بعظيم تدبير اللّه لهم من ناحية.كما يشير إلى عظمة تقدير اللّه في ملكه.فإن بناء السماء على هذا النحو،ودحو الأرض على هذا النحو أيضا لم يكونا فلتة ولا مصادفة.إنما كان محسوبا فيهما حساب هذا الخلق الذي سيستخلف