واليسر في الأمر غاية ما يرجوه إنسان.وإنها لنعمة كبرى أن يجعل اللّه الأمور ميسرة لعبد من عباده.فلا عنت ولا مشقة ولا عسر ولا ضيقة.يأخذ الأمور بيسر في شعوره وتقديره.وينالها بيسر في حركته وعمله.ويرضاها بيسر في حصيلتها ونتيجتها.ويعيش من هذا في يسر رخي ندي،حتى يلقى اللّه ..ألا إنه لإغراء باليسر في قضية الطلاق مقابل اليسر في سائر الحياة!
«ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ» ..وهذه لمسة أخرى في جانب آخر.لمسة الجد والانتباه إلى مصدر الأمر ..فقد أنزله اللّه.أنزله للمؤمنين به،فطاعته تحقيق لمعنى الإيمان،ولحقيقة الصلة بينهم وبين اللّه.
ثم عودة إلى التقوى التي يدق عليها دقا متواصلا في هذا المجال: « وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا» ..فالأولى تيسير للأمور.والثانية تكفير للسيئات وإعظام للأجر بعد التكفير ..فهو الفيض المغري والعرض المثير.وهو حكم عام ووعد شامل.ولكنه يخلع على موضوع الطلاق ظلاله،ويغمر القلب بالشعور باللّه وفضله العميم.فما له إذن يعسر ويعقد واللّه يغمره بالتيسير والمغفرة والأجر الكبير؟
«أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ،وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ.وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ،وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ،وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى .لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ،وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ،لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا ما آتاها،سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا» ..
وهذا هو البيان الأخير لتفصيل مسألة الإقامة في البيوت،والإنفاق في فترة العدة - على اختلاف مدتها.فالمأمور به هو أن يسكنوهن مما يجدون هم من سكنى.لا أقل مما هم عليه في سكناهم،وما يستطيعونه حسب مقدرتهم وغناهم.غير عامدين إلى مضارتهم سواء بالتضييق عليهن في فسحة المسكن أو مستواه أو في المعاملة فيه.وخص ذوات الأحمال بذكر النفقة - مع وجوب النفقة لكل معتدة - لتوهم أن طول مدة الحمل يحدد زمن الإنفاق ببعضه دون بقيته،أو بزيادة عنه إذا قصرت مدته.فأوجب النفقة حتى الوضع،وهو موعد انتهاء العدة لزيادة الإيضاح التشريعي.
ثم فصل مسألة الرضاعة فلم يجعلها واجبا على الأم بلا مقابل.فما دامت ترضع الطفل المشترك بينهما،فمن حقها أن تنال أجرا على رضاعته تستعين به على حياتها وعلى إدرار اللبن للصغير،وهذا منتهى المراعاة للأم في هذه الشريعة.وفي الوقت ذاته أمر الأب والأم أن يأتمرا بينهما بالمعروف في شأن هذا الوليد،ويتشاورا في أمره ورائدهما مصلحته،وهو أمانة بينهما،فلا يكون فشلهما هما في حياتهما نكبة على الصغير البريء فيهما! وهذه هي المياسرة التي يدعوهما اللّه إليها.فأما إذا تعاسرا ولم يتفقا بشأن الرضاعة وأجرها،فالطفل مكفول الحقوق: «فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى » ..دون اعتراض من الأم ودون تعطيل لحق الطفل في الرضاعة،بسبب تعاسرهما بعد فشلهما!