فهرس الكتاب

الصفحة 4941 من 4997

وهذه هي طبيعة السحر كما ينبغي لنا أن نسلم بها.وهو بهذه الطبيعة يؤثر في الناس،وينشئ لهم مشاعر وفق إيحائه ..مشاعر تخيفهم وتؤذيهم وتوجههم الوجهة التي يريدها الساحر،وعند هذا الحد نقف في فهم طبيعة السحر والنفث في العقد ..وهي شر يستعاذ منه باللّه،ويلجأ منه إلى حماه.

وقد وردت روايات - بعضها صحيح ولكنه غير متواتر - أن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة ..قيل أياما،وقيل أشهرا ..حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء وهو لا يأتيهن في رواية،وحتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله في رواية،وأن السورتين نزلتا رقية لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فلما استحضر السحر المقصود - كما أخبر في رؤياه - وقرأ السورتين انحلت العقد،وذهب عنه السوء.

ولكن هذه الروايات تخالف أصل العصمة النبوية في الفعل والتبليغ،ولا تستقيم مع الاعتقاد بأن كل فعل من أفعاله - صلى الله عليه وسلم - وكل قول من أقواله سنة وشريعة،كما أنها تصطدم بنفي القرآن عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه مسحور،وتكذيب المشركين فيما كانوا يدعونه من هذا الإفك.ومن ثم تستبعد هذه الروايات ..وأحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في أمر العقيدة.والمرجع هو القرآن.والتواتر شرط للأخذ بالأحاديث في أصول الاعتقاد [1] .

وهذه الروايات ليست من المتواتر.فضلا على أن نزول هاتين السورتين في مكة هو الراجح.مما يوهن أساس الروايات الأخرى.

(1) - قلت:حديث السحر صحيح ولا يجوز رده لأي سبب كان:

عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ مِنْ بَنِى زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ ،حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّىْءَ وَمَا فَعَلَهُ ،حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهْوَ عِنْدِى لَكِنَّهُ دَعَا وَدَعَا ثُمَّ قَالَ « يَا عَائِشَةُ ،أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِى فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ ،أَتَانِى رَجُلاَنِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِى ،وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَىَّ ،فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ مَا وَجَعُ الرَّجُلِ فَقَالَ مَطْبُوبٌ .قَالَ مَنْ طَبَّهُ قَالَ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ .قَالَ فِى أَىِّ شَىْءٍ قَالَ فِى مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ ،وَجُفِّ طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ .قَالَ وَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِى بِئْرِ ذَرْوَانَ » .فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَاءَ فَقَالَ « يَا عَائِشَةُ كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ ،أَوْ كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ » .قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ أَسْتَخْرِجُهُ قَالَ « قَدْ عَافَانِى اللَّهُ ،فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا » .فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ .. صحيح البخارى- المكنز - (5763 ) أطرافه 3175 ،3268 ،5765 ،5766 ،6063 ،6391 تحفة 16765 ،16812 ،16928 ،17022 ،17134 ،17145 - 177/7 وصحيح مسلم- المكنز - (5832 )

الجُب:وعاء طلع النخل =المطبوب:المسحور =المشاطة:ما يسقط من الشعر عند تسريحه =النقاعة:الماء الذى توضع فيه الحناء والمراد أنه متغير اللون

وعَنْ عَائِشَةَ ،قَالَتْ:سَحَرَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَهُودِيٌّ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ:لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ حَتَّى كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ ،وَمَا يَفْعَلُهُ حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ دَعَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ،ثُمَّ دَعَا ثُمَّ قَالَ:يَا عَائِشَةُ أَشَعُرْتِ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلاَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ ،قَدْ جَاءَنِي رَجُلاَنِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَجَلَسَ الآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ ،فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي:مَا وَجَعُ الرَّجُلِ ؟ قَالَ:مَطْبُوبٌ ،قَالَ:وَمَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ:لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ.قَالَ:فِي أَيِّ شَيْءٍ ؟ قَالَ:فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ.قَالَ:وَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ:فِي بِئْرِ ذِي ذَرْوَانَ.قَالَ:فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ،ثُمَّ جَاءَ ،فَقَالَ:يَا عَائِشَةُ فَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ ،وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ ،فَقُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ فَهَلاَّ أَحْرَقْتَهُ أَوْ أَخْرَجْتَهُ ؟.قَالَ:أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِيَ اللَّهُ ،وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَيْئًا ،فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ.

وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ،قَالَتْ:سُحِرَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،سَحَرَهُ رَجُلٌ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ:لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ ،حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ ،وَلَمْ يَفْعَلْهُ ،حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ ،قَالَ:يَا عَائِشَةُ أَشَعُرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ ،أَتَانِي مَلَكَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي ،وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ ،فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ:مَا وَجَعُ الرَّجُلِ ؟ فَقَالَ الآخَرُ:مَطْبُوبٌ.فَقَالَ:وَمَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ:لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ.قَالَ:فِي أَيِّ شَيْءٍ ؟ قَالَ:فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ.قَالَ:وَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ:فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ.قَالَتْ:وَأَتَاهَا نَبِيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ،فَقَالَ:يَا عَائِشَةُ كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ ،وَكَأَنَّ رَأْسَ نَخْلِهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ ،فَقُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ ،أَفَلاَ اسْتَخْرَجْتَهَا ؟ قَالَ:قَدْ عَافَانِيَ اللَّهُ ،وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ شَرًّا.صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [14 /546] ( 6583-6584) صحيح

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ،قَالَ:"مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأُخِّذَ عَنِ النِّسَاءِ وَعَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَهَبَطَ عَلَيْهِ مَلَكَانِ وَهُوَ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ ،فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ:مَا شَكْوُهُ ؟ قَالَ:طُبَّ ،يَعْنِي سُحِرَ ،قَالَ:وَمَنْ فَعَلَهُ ؟ قَالَ لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ الْيَهُودِيُّ قَالَ:فَفِي أَيِّ شَيْءٍ جَعَلَهُ ؟ ،قَالَ:فِي طَلْعَةٍ ،قَالَ:فَأَيْنَ وَضَعَهَا ؟ قَالَ:فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ تَحْتَ صَخْرَةٍ ،قَالَ:فَمَا شِفِاؤُهُ ؟ قَالَ:تُنْزَحُ الْبِئْرُ ،وَتُرْفَعُ الصَّخْرَةُ ،وَتُسْتَخْرَجُ الطَّلْعَةُ ،وَارْتَفَعَ الْمَلَكَانِ ،فَبَعَثَ نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَعَمَّارٍ فَأَمَرَهُمَا أَنْ يَأْتِيَا الرَّكِيَّ فَيَفْعَلَا الَّذِي سُمِعَ ،فَأَتَيَاهَا وَمَاؤُهَا كَأَنَّهُ قَدْ خُضِبَ بِالْحِنَّاءِ ،فَنَزَحَاهَا ثُمَّ رَفَعَا الصَّخْرَةَ فَأَخْرَجَا طَلْعَةٍ ،فَإِذَا بِهَا إِحْدَى عَشْرَةَ عُقْدَةً ،وَنَزَلَتْ هَاتَانِ السُّورَتَانِ:قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ،وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ،فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كُلَّمَا قَرَأَ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ،حَتَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ وَانْتَشَرَ نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِلنِّسَاءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ"الطَّبَقَاتُ الْكُبْرَى لِابْنِ سَعْدٍ (1792) ضعيف

وأما ماورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله،فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته،أو يقدح في صدقه لقيام الدليل،والإجماع على عصمته من هذا،وإنما هذا فيما يجوز طروه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها،ولا فضّل من أجلها،وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر،فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها مالا حقيقة له،ثم ينجلي عنه كما كان،وأيضًا فقد فسر هذا الفصل الحديث الآخر من قوله حتى يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن،وقد قال سفيان:هذا أشدّ مايكون من السحر،ولم يأت في خبر منها أنه نقل عنه في ذلك قول بخلاف ماكان أخبر أنه فعله ولم يفعله،وإنما كانت خواطر وتخيلات،وقد قيل:إن المراد بالحديث أنه كان يتخيل الشيء أنه فعله وما فعله،لكنه تخييل لا يعتقد صحته،فتكون اعتقاداته كلها على السداد،وأقواله على الصحة،هذا ما وقفت عليه لأئمتنا من الأجوبة عن هذا الحديث مع ما أوضحنا من معنى كلامهم وزدناه بيانًا من تلويحاتهم،وكل وجه منها مقنع لكنه قد ظهر لي في الحديث تأويل أجلى وأبعد من مطاعن ذوي الأضاليل،يستفاد من نفس الحديث،وهو أن عبدالرزاق قد روى هذا الحديث عن ابن المسيب وعروة بن الزبير وقال فيه عنهما:سحر يهود بني زريق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فجعلوه في بئر حتّى كاد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ينكر بصره ثمّ دلّه الله على ما صنعوا فاستخرجه من البئر.

وروي نحوه عن الواقدي وعن عبدالرحمن بن كعب وعمر بن الحكم وذكر عن عطاء الخراساني عن يحيى بن يعمر:حبس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن عائشة سنةً فبينا هو نائم أتاه ملكان،فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه...الحديث.

قال عبدالرزاق:حبس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن عائشة خاصّةً سنةً حتّى أنكر بصره.

وروى محمد بن سعد عن ابن عباس:مرض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فحبس عن النّساء والطّعام والشّراب فهبط عليه ملكان.وذكر القصة.

فقد استبان لك من مضمون هذه الروايات أن السحر إنما تسلط على ظاهره وجوارحه لا على قلبه واعتقاده وعقله،وأنّه إنما أثّر في بصره وحبسه عن وطء نسائه وطعامه،وأضعف جسمه وأمرضه.

ويكون معنى قوله: (يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن) ،أي:يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة على النساء فإذا دنا منهن أصابته أخذة السحر فلم يقدر على إتيانهن كما يعتري من أخذ واعترض،ولعله لمثل هذا أشار سفيان بقوله:وهذا أشد ما يكون من السحر،ويكون قول عائشة في الرواية الأخرى:إنّه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله،من باب ما اختل من بصره،كما ذكر في الحديث،فيظن أنه رأى شخصًا من بعض أزواجه أو شاهد فعلًا من غيره،ولم يكن على ما يخيل إليه لما أصابه في بصره وضعف نظره،لا لشيء طرأ عليه في ميزه،وإذا كان هذا لم يكن فيما ذكر من إصابة السحر له وتأثيره فيه ما يدخل لبسًا ولا يجد به الملحد المعترض أنسًا.اهكلامه رحمه الله.

وقال الحافظ ابن حجر في"الفتح" (ج10 ص226) :قال المازري:أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث،وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها،قالوا:وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل،وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع،إذ يحتمل على هذا أنه يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثم وأنه يوحى إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء.

قال المازري:وهذا كله مردود،لأن الدليل على صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما يبلغه عن الله تعالى،وعلى عصمته في التبليغ والمعجزات شاهدات بتصديقه،فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل،وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها،فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض،فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين.قال:وقد قال بعض الناس إن المراد بالحديث أنه كان يخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطأهن،وهذا كثيًرا ما يقع تخيله للإنسان في المنام،فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة.

قلت:وهذا قد ورد صريحًا في رواية ابن عيينة في الباب الذى يلي هذا ولفظه: (حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن) وفي رواية الحميدي: (أنه يأتي أهله ولا يأتيهم) .

قال الداودي:يرى بضم أوله،أي:يظن،وقال ابن التين:ضبطت يرى بفتح أوله.

قلت:وهو من الرأي لا من الرؤية،فيرجع إلى معنى الظن،وفي مرسل يحيى بن يعمر عند عبدالرزاق:سحر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن عائشة حتى أنكر بصره.وعنده في مرسل سعيد بن المسيب:حتّى كاد ينكر بصره.

قال عياض:فظهر بهذا أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه،لا على تمييزه ومعتقده.

قلت:ووقع في مرسل عبدالرحمن بن كعب عند ابن سعد:فقالت أخت لبيد بن الأعصم:أن يكن نبيًا فسيخبر،وإلا فسيذهله هذا السحر حتى يذهب عقله.

قلت:فوقع الشق الأول،كما في هذا الحديث الصحيح،وقد قال بعض العلماء:لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك،وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت فلا يبقى على هذا للملحد حجة.

وقال عياض:يحتمل أن يكون المراد بالتخييل المذكور أنه يظهر له من نشاطه ما ألفه من سابق عادته من الاقتدار على الوطء،فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك،كما هو شأن المعقود،ويكون قوله في الرواية الأخرى:حتى كاد ينكر بصره،أي:صار كالذي أنكر بصره بحيث أنه إذا رأى الشيء يخيل إليه أنه على غير صفته،فإذا تأمّله عرف حقيقته،ويؤيد جميع ما تقدم أنه لم ينقل عنه في خبر من الأخبار أنه قال قولا فكان بخلاف ما أخبر به.

وقال المهلب:صون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده فقد مضى في الصحيح:أنّ شيطانًا أراد أن يفسد عليه صلاته فأمكنه الله منه.

فكذلك السحر ما ناله من ضرره ما يدخل نقصًا على ما يتعلق بالتبليغ،بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض من ضعف عن الكلام أو عجز عن بعض الفعل أو حدوث تخيل لا يستمر بل يزول ويبطل الله كيد الشياطين.

واستدل ابن القصار على أن الذي أصابه كان من جنس المرض بقوله في آخر الحديث: (( أما أنا فقد شفاني الله ) ).وفي الاستدلال بذلك نظر،لكن يؤيد المدعى أن في رواية عمرة عن عائشة عند البيهقي في"الدلائل"فكان يدور ولا يدري ما وجعه،وفي حديث ابن عباس عند ابن سعد:مرض النّبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخذ عن النّساء والطّعام والشّراب فهبط عليه ملكان.الحديث.

قال عبدالرحمن المعلمي في"الأنوار الكاشفة"ص (249) :وذكر (يعني أبا رية) كلامًا للشيخ محمد عبده في حديث:أنّ يهوديًا سحر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

أقول:النظر في هذا في مقامات:

المقام الأول:ملخص الحديث أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فترة من عمره ناله مرض خفيف،ذكرت عائشة أشد أعراضه بقولها: (حتى كان يرى أنه يأتي أهله ولا يأتيهم) وفي رواية: (حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن) .

وفي أخرى: (يخيل إليه كان يفعل الشيء وما فعله) .والرواية الأولى فيما يظهر أصح الروايات،فالأخريان محمولتان عليها.

وفي"فتح الباري" (ج10 ص193) :قال بعض العلماء: (لا يلزم من أنه يظن أنه فعل الشيء و لم يكن فعله،أن يجزم بفعله ذلك وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت) .

أقول:وفي سياق الحديث ما يشهد لهذا،فإن فيه شعوره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك المرض ودعاءه ربه أن يشفيه.

فالذي يتحقق دلالة الخبر عليه أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في تلك الفترة يعرض له خاطر أنه قد جاء إلى عائشة وهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم عالم أنه لم يجئها،ولكنه كان يعاوده ذاك الخاطر على خلاف عادته،فتأذّى صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذلك،وليس في حمل الحديث على هذا تعسف ولا تكلف.

المقام الثاني:في الحديث عن عائشة:حتّى إذا كان ذات يوم وهو عندي،لكنّه دعا ودعا،ثمّ قال: (( يا عائشة أشعرت أنّ الله أفتاني فيما استفتيته فيه،أتاني رجلان ) ). (أي:ملكان -كما في رواية أخرى- في صورة رجلين) ...فقال أحدهما لصاحبه:ما وجع الرّجل؟ فقال:مطبوب،قال:من طبّه؟ قال:لبيد بن الأعصم،قال:في أيّ شيء؟ قال:في مشط ومشاطة وجفّ طلع نخلة ذكر،قال:وأين هو؟ قال:في بئر ذروان )) فأتاها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ناس من أصحابه،فجاء،قلت:يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: (( قد عافاني الله،فكرهت أن أثير على النّاس شرًّا فأمرت بها فدفنت ) ).

ومحصل هذا أن لبيد أراد إلحاق ضرر بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعمل عملًا في مشط ومشاطة،الخ.فهل من شأن ذلك أن يؤثر،قد يقال:لا ولكن إذا شاء الله تعالى خلق الأثر عقبه والأقرب أن يقال:نعم بإذن الله،والإذن هنا خاص.وبيانه أن الأفعال التى من شأنها أن تؤثر ضربان:الأول:ما أذن الله تعالى بتأثيره إذنًا مطلقًا ثم إذا شاء منعه،وذلك كالاتصال بالنار مأذون فيه بالإحراق إذنًا مطلقًا قلما أراد الله تعالى منعه،قال: {يانار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم} .

الضرب الثاني:ما هو ممنوع من التأثير منعًا مطلقًا،فإذا اقتضت الحكمة أن يمكّن من التأثير رفع المنع فيؤثر،وقوله تعالى في السحر: {وما هم بضارّين به من أحد إلاّ بإذن الله} يدل أنه من الضرب الثاني وأن المراد بالإذن،الإذن الخاص،والحكمة في مصلحة الناس تقتضى هذا،والواقع في شئونهم يشهد له،وإذا كان هذا حاله فلا غرابة في خفاء وجه التأثير علينا.

المقام الثالث:النظر في كلام الشيخ محمد عبده وفيه ثلاث قضايا:القضية الأولى:قال: (فعلى صحته هو آحاد والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد) .

أقول:أما صحته فثابتة بإثبات أئمة الحديث لها فإن أراد الصحة في نفس الأمر فهب أنا لا نقطع بها ولكنا نظنها ظنًا غالبًا،وعلى كلا الحالتين فواضعو تلك القاعدة لا ينكرون أنه يفيد الظن،ومن أنكر ذلك فهو مكابر،وإذا أفاد الظن فلا مفر من الظن وما يترتب على الظن،فلم يبق إلا أنه لا يفيد القطع،وهذا حق في كل دليل لا يفيد إلا الظن.

القضية الثانية:أنّه مناف للعصمة في التبليغ،قال:فإنه قد خالط عقله وإدراكه في زعمهم،فإنه إذا خولط في عقله كما زعموا جاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئًا وهو لم يبلغه أو أنّ شيئًا ينْزل عليه وهو لم ينْزل عليه.أقول:أما المتحقق من معنى الحديث كما قدمنا في المقام الأول،فليس فيه ما يصح أن يعبر عنه بقولك:خولط في عقله.وإنما ذاك خاطر عابر ولو فرض أنه بلغ الظن فهو في أمر خاص من أمور الدنيا،لم يتعده إلى سائر أمور الدنيا فضلًا عن أمور الدين،ولا يلزم من حدوثه في ذاك الأمر جوازه في ما يتعلق بالتبليغ بل سبيله سبيل ظنه أن النخل لا يحتاج إلى التأبير،وظنه بعد أن صلى ركعتين أنه صلى أربعًا وغير ذلك من قضايا السهو في الصلاة،وراجع ص (18-19) وفي القرآن ذكر غضب موسى على أخيه هارون وأخذه برأسه لظنه أنه قصر،مع أنه لم يقصر،وفيه قول يعقوب لبنيه لما ذكروا له ما جرى لابنه الثاني: { بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا} يتهمهم بتدبير مكيدة مع أنّهم كانوا حينئذ أبرياء صادقين.وقد يكون من هذا بعض كلمات موسى للخضر.وانظر قوله تعالى في يونس: {فظنّ أن لن نقدر عليه} .

القضية الثالثة:الحديث مخالف للقرآن في نفيه السحر عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعده من افتراء المشركين عليه،مع أن الذي قصده المشركون ظاهر لأنّهم كانوا يقولون:إن الشيطان يلابسه عليه السلام،وملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم،وضرب من ضروبه،وهو بعينه أثر السحر الذي ينسب إلى لبيد...وقد جاء بنفي السحر عنه عليه السلام،حيث نسب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه،ووبّخهم على زعمهم هذا،فإذًا هو ليس بمسحور قطعًا.

أقول:كان المشركون يعلمون أنه لا مساغ لأن يزعموا أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفتري -أي:يتعمّد- الكذب على الله عز وجل فيما يخبر به عنه،ولا لأنه يكذب في ذلك مع كثرته غير عامد فلجأوا إلى محاولة تقريب هذا الثاني بزعم أنه له اتصال بالجن،وأن الجن يلقون إليه ما يلقون فيصدقهم ويخبر الناس بما ألقوه إليه،هذا مدار شبهتهم وهو مرادهم بقولهم:به جنّة.مجنون،كاهن،ساحر،مسحور،شاعر،كانوا يزعمون أنّ للشعراء قرناء من الجن تلقي إليهم الشعر،فزعموا أنه شاعر،أي:أنّ الجن تلقي إليه كما تلقي إلى الشعراء ولم يقصدوا أنه يقول الشعر،أو أنّ القرآن شعر.

إذا عرف هذا فالمشركون أرادوا بقولهم: {إن تتّبعون إلاّ رجلًا مسحورًا} أنّ أمر النبوة كله سحر،وأن ذلك ناشئ عن الشياطين استولوا عليه -بزعمهم- يلقون إليه القرآن ويأمرونه وينهونه،فيصدقهم في ذلك كله ظانًا أنه أنما يتلقى من الله وملائكته،ولا ريب أن الحال التي ذكر في الحديث عروضها له صلى الله عليه وعلى آله وسلم لفترة خاصة ليست هي هذه التي زعمها المشركون ولا هي من قبيلها في شيء من الأوصاف المذكورة،إذن تكذيب القرآن وما زعمه المشركون لا يصح أن يؤخذ منه نفيه لما في الحديث.

فإن قيل:قد أطلق على تلك الحالة أنه سحر ففي الحديث عن عائشة سحر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجل...والسحر من الشياطين،وقد قال الله تعالى للشيطان: {إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان} .

قلت:أما الذى أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الملك فإنما سماها طبًا كما مر في الحديث،وقد أنشد ابن فارس في"معجم مقاييس اللغة" (ج3 ص408) :

فإن كنت مطبوبًا فلا زلت هكذا وإن كنت مسحورًا فلا برأ للسحر

وأقل ما يدل عليه هذا أن الطب أخص من السحر،وأنّ من الأنواع التي يصاب بها الإنسان ويطلق عليها سحرًا ما يقال له:طب.وما لا يقال طب،وعلى كل حال فالذي ذكر في الحديث ليس من نوع ما زعمه المشركون ولا هو من ملابسة الشيطان،وإنما هو أثر نفس الساحر وفعله،وقد قدمت أن وقوع أثر ذلك نادر،فلا غرابة في خفاء تفسيره وهذا يغني عما تقدم.اهـ

ابن مفلح في"الآداب الشرعية"كما تقدم.والخطابي كما تقدم .وكما في"شرح السنة للبغوي" (ج6 ص279) .

وللشيخ الفاضل أحمد شاكر رحمه الله كلام حسن في توجعه من بعض معاصريه في تهجّمه على كتب السنة بالهوى،قال رحمه الله في الكلام على حديث أبي هريرة: (( إذا وقع الذباب في إناء أحدكم ) ) (ج12 ص124) من تحقيق المسند:وهذا الحديث مما لعب فيه بعض معاصرينا ممن علم وأخطأ وممن علم وعمد إلى عداء السنة وممن جهل وتجرّأ.

فمنهم من حمل على أبي هريرة وطعن في روايته وحفظه،بل منهم من جرؤ على الطعن في صدقه فيما يروي حتى غلا بعضهم فزعم أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة،إن لم يزعم أنّها لا أصل لها،بما رأوا من شبهات في نقد بعض الأئمة لأسانيد قليلة فيهما،فلم يفهموا اعتراض أولئك المتقدمين الذين أرادوا بنقدهم أنّ بعض أسانيدهما خارجة عن الدرجة العليا من الصحة التى التزمها الشيخان لم يريدوا أنّها أحاديث ضعيفة قط.

ومن الغريب أن هذا الحديث بعينه -حديث الذباب- لم يكن مما إستدركه أحد من أئمة الحديث على البخاري،بل هو عندهم جميعًا مما جاء على شرطه في أعلى درجات الصحة.

ومن الغريب أيضًا أنّ هؤلاء الذين حملوا على أبي هريرة على علم كثير منهم بالسنة وسعة اطلاعهم رحمهم الله،غفلوا أو تغافلوا عن أنّ أبا هريرة رضى الله عنه لم ينفرد بروايته بل رواه أبوسعيد الخدري أيضًا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند أحمد في"المسند" (11207،11666) والنسائي (ج2 ص193) وابن ماجة (ج2 ص185) والبيهقي (ج1 ص253) بأسانيد صحاح،ورواه أنس بن مالك أيضًا،كما ذكره الهيثمي في"مجمع الزوائد" (ج5 ص 38) وقال:رواه البزار ورجاله رجال الصحيح،ورواه الطبراني في"الأوسط"وذكره الحافظ في"الفتح" (ج10 ص213) وقال:أخرجه البزار ورجاله ثقات.

فأبوهريرة لم ينفرد برواية هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكنه انفرد بالحمل عليه منهم بما غفلوا أنه رواه اثنان غيره من الصحابة.

والحق أنه لم يعجبهم هذا الحديث لما وقر في نفوسهم من أنه ينافي المكتشفات الحديثة من المكروبات ونحوها،وعصمهم إيمانهم عن أن يجرؤا على المقام الأسمى فاستضعفوا أباهريرة.

والحق أيضًا أنّهم آمنوا بهذه المكتشفات الحديثة أكثر من إيمانهم بالغيب ولكنهم لا يصرحون ثم اختطوا لأنفسهم خطةً عجيبةً:أن يقدموها على كل شيء وأن يؤلوا القرآن بما يخرجه عن معنى الكلام العربي إذا ما خالف ما يسمونه (الحقائق العلمية) وأن يردوا من السنة الصحيحة ما يظنون أنه يخالف حقائقهم هذه،افتراءً على الله وحبًا في التجديد،بل إن منهم لمن يؤمن ببعض خرافات الأوربيين،وينكر حقائق الإسلام أو يتأولها،فمنهم من يؤمن بخرافات استحضار الأرواح،وينكر وجود الملائكة والجن بالتأول العصري الحديث،ومنهم من يؤمن بأساطير القدماء وما ينسب إلى القديسين والقديسات،ثم ينكر معجزات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كلها،ويتأول ما ورد في الكتاب والسنة من معجزات الأنبياء السابقين يخرجونها عن معنى الإعجاز كله وهكذا وهكذا..وفي عصرنا هذا صديق لنا كاتب قدير أديب جيد الأداء،واسع الأطلاع،كنا نعجب بقلمه وعلمه واطلاعه،ثم بدت منه هنات وهنات على صفحات الجرائد والمجلات في الطعن على السنة والازراء برواتها من الصحابة فمن بعدهم،يستمسك بكلمات للمتقدمين في أسانيد معينة يجعلها -كما يصنع المستشرقون- قواعد عامة يوسع من مداها ويخرج بها عن حدها الذي أراده قائلوها،وكانت بيننا في ذلك مساجلات شفوية ومكاتبات خاصة،حرصًا مني على دينه وعلى عقيدته.

ثم كتب في إحدى المجلات -منذ أكثر من عامين- كلمةً على طريقته التي ازداد فيها إمعانًا وغلوًا،فكتبت له كتابًا طويلًا في شهر جمادى الأولى سنة (1370) كان مما قلت له فيه من غير أن أسميه هنا،أو أسمي المجلة التى كتب فيها قلت له:وقد قرأت لك منذ أسبوعين تقريبًا كلمة في مجلة...لم تدع فيها ما وقر في قلبك من الطعن في روايات الحديث الصحيحة،ولست أزعم أني أستطيع إقناعك أو أرضي إحراجك بالإقلاع عما أنت فيه.

وليتك -يا أخي- درست علوم الحديث وطرق روايته،دراسةً وافيةً غير متأثر بسخافات (فلان) رحمه الله وأمثاله،ممن قلدهم وممن قلدوه،فأنت تبحث وتنقّب على ضوء شيء استقر في قلبك من قبل،لا بحثًا حرًا خاليًا من الهوى،وثق أني لك ناصح أمين،لا يهمني ولا يغضبني أن تقول في السنة ما تشاء فقد قرأت من مثل كلامك أضعاف ما قرأت،ولكنك تضرب الكلام بعضه ببعض،وثق -يا أخي- أن المستشرقين فعلوا مثل ذلك في السنة،فقلت مثل قولهم وأعجبك رأيهم،إذ صادف منك هوىً،ولكنك نسيت أنّهم فعلوا مثل ذلك وأكثر منه في القرآن نفسه،فما ضار القرآن ولا السنة شيء مما فعلوا،وقبلهم قام المعتزلة وكثير من أهل الرأي والأهواء،ففعلوا بعض هذا أو كله،فما زادت السنة إلا ثبوتًا كثبوت الجبال،وأتعب هؤلاء رؤوسهم وحدها وأوهموها،بل لم نر فيمن تقدّمنا من أهل العلم من اجترأ على ادعاء أن في الصحيحين أحاديث موضوعة فضلًا عن الإيهام والتشنيع الذى يطويه كلامك،فيوهم الأغرار أن أكثر ما في السنة موضوع،هذا كلام المستشرقين،غاية ما تكلم فيه العلماء نقد أحاديث فيهما بأعيانها لا بادّعاء وضعها والعياذ بالله،ولا بادّعاء ضعفها،إنما نقدوا عليهما أحاديث ظنوا أنّها لا تبلغ في الصحة الذروة العليا التي التزمها كل منهما.

وهذا مما أخطاء فيه كثير من الناس،ومنهم أستاذنا السيد رشيد رضا رحمه الله،على علمه بالسنة وفقهه،ولم يستطع قط أن يقيم حجته على ما يرى،وأفلتت منه كلمات يسمو على علمه أن يقع فيها،ولكنه كان متأثرًا أشد الأثر بجمال الدين ومحمد عبده وهما لا يعرفان في الحديث شيئًا،بل كان هو بعد ذلك أعلم منهما وأعلى قدمًا وأثبت رأيًا،لولا الأثر الباقي في دخيلة نفسه،والله يغفر لنا وله.

وما أفضت لك في هذا إلا خشيةً عليك من حساب الله،أما الناس في هذا العصر فلا حساب لهم،ولا يقدّمون في ذلك ولا يؤخرون،فإن التربية الإفرنجية الملعونة جعلتهم لا يرضون القرآن إلا على مضض،فمنهم من يصرح،ومنهمم من يتأول القرآن والسنة ليرضي عقله الملتوي،لا ليحفظهما من طعن الطاعنين فهم على الحقيقة لا يؤمنون ويخشون أن يصرحوا فيلتوون وهكذا هم،حتى يأتي الله بأمره،فاحذر لنفسك من حساب الله يوم القيامة،وقد نصحتك وما آلوت والحمد لله.

وأما الجاهلون الأجرياء فإنّهم كثر في هذا العصر،ومن أعجب ما رأيت من سخافاتهم وجرأتهم أن يكتب طبيب في إحدى المجلات الطبية فلا يرى إلا أن هذا الحديث لم يعجبه،وأنه ينافي علمه،وأنه رواه مؤلف اسمه البخاري،فلا يجد مجالًا إلا الطعن في هذا البخاري ورميه بالافتراء والكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .وهو لا يعرف عن البخاري هذا شيئًا،بل لا أظنه يعرف اسمه ولا عصره ولا كتابه،إلا أنه روى شيئًا يراه هو بعلمه الواسع غير صحيح فافترى عليه ما شاء،مما سيحاسب عليه بين يدي الله حسابًا عسيرًا.

ولم يكن هؤلاء المعترضون المجترئون أول من تكلم في هذا،بل سبقهم من أمثالهم الأقدمون،ولكن أولئك كانوا أكثر أدبًا من هؤلاء.فقال الخطابي في"معالم السنن"رقم (3695) من"تهذيب السنن":وقد تكلم في هذا الحديث بعض من لا خلاق له.وقال:كيف يكون هذا ؟ وكيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي الذبابة،وكيف تعلم ذلك من نفسها حتى تقدم جناح الداء وتؤخر جناح الشفاء وما أربها في ذلك.

قلت: (القائل الخطابي) :وهذا سؤال جاهل أو متجاهل،وإن الذى يجد نفسه ونفوس عامة الحيوان قد جمع فيها بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وهي أشياء متضادة إذا تلاقت تفاسدت،ثم يرى أن الله سبحانه قد ألّف بينها وقهرها على الاجتماع،وجعل منها قوى الحيوان التى بها بقاؤها وصلاحها لجدير أن لا ينكر اجتماع الداء والشفاء في جزءين من حيوان واحد،وأن الذى ألهم النحلة أن تتخذ البيت العجيب الصنعة وأن تعسل فيه وألهم الذرة أن تكتسب قوتها وتدخره لأوان حاجتها إليه،هو الذي خلق الذبابة وجعل لها الهداية إلى أن تقدم جناحًا وتؤخر جناحًا لما أراد الله من الابتلاء الذي هو مدرجة التعبد،والامتحان الذي هو مضمار التكليف،وفي كل شيء عبرة وحكمة وما يذّكر إلا أولوا الألباب.

وأما المعنى الطبي فقال ابن القيم -في شأن الطب القديم- في"زاد المعاد" (ج3 ص210-211) :واعلم أن في الذباب قوة سمية،يدل عليها الورم والحكة العارضة من لسعه،وهى بمنْزلة السلاح فإذا سقط فيما يؤذية اتقاه بسلاحه فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله في جناحه الآخر من الشفاء،فيغمس كله في الماء والطعام،فيقابل المادة السمية بالمادة النافعة،فيزول ضررها،وهذا طب لا يهتدى إليه كبار الأطباء وأئمتهم،بل هو خارج من مشكاة النبوة،ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق يخضع لهذا إلعلاج ويقر لمن جاء به بأنه أكمل الخلق على الإطلاق،وأنه مؤيد بوحي إلهي خارج عن القوى البشرية.

وأقول -في شأن الطب الحديث- إن الناس كانوا ولا يزالون تقذر أنفسهم الذباب،وتنفر مما وقع فيه من طعام أو شراب،ولا يكادون يرضون قربانه،وفي هذا من الإسراف -إذا غلا الناس فيه- شيء كثير ولا يزال الذباب يلح على الناس في طعامهم وشرابهم،وفي نومهم ويقظتهم،وفي شأنهم كله،وقد كشف الأطباء والباحثون عن المكروبات الضارة والنافعة وغلو غلوًا شديدًا في بيان ما يحمل الذباب من مكروبات ضارة،حتى لقد كادوا يفسدون على الناس حياتهم لو أطاعوهم طاعة حرفيّة تامة،وإنا لنرى بالعيان أن أكثر الناس تأكل مما سقط عليه الذباب،وتشرب فلا يصيبهم شيء إلا في القليل النادر،ومن كابر في هذا فإنما يخدع الناس ويخدع نفسه،وإنا لنرى أيضًا أن ضرر الذباب شديد حين يقع الوباء العام لا يماري في ذلك أحد،فهناك إذن حالان ظاهرتان بينهما فروق كبيرة،أما حال الوباء فمما لاشك فيه أن الاحتياط فيها يدعو إلى التحرز من الذباب وأضرابه مما ينقل المكروب أشد التحرز،وأما إذا عدم الوباء وكانت الحياة تجري على سننها فلا معنى لهذا التحرز،والمشاهدة تنفي ما غلا فيه من إفساد كل طعام أو شراب وقع عليه الذباب،ومن كابر في هذا فانما يجادل بالقول لا بالعمل،ويطيع داعي الترف والتأنّق وما أظنه يطبّق ما يدعو إليه تطبيقًا دقيقًا،وكثير منهم يقولون ما لا يفعلون.اهـ

وتعلم السحر كفر قال الله تعالى: {واتّبعوا ما تتلو الشّياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكنّ الشّياطين كفروا يعلّمون النّاس السّحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلّمان من أحد حتّى يقولا إنّما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلّمون منهما ما يفرّقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارّين به من أحد إلاّ بإذن الله ويتعلّمون ما يضرّهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} .

وقال البخاري رحمه الله (ج5 ص393) :حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله قال حدثنا سليمان بن بلال عن ثور بن زيد المدني عن أبي الغيث عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( اجتنبوا السّبْع الموبقات ) )قالوا:يا رسول الله وما هنّ؟ قال: (( الشّرك بالله،والسّحر،وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلا بالحقّ،وأكل الرّبا،وأكل مال اليتيم،والتّولّي يوم الزّحْف،وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ) ).والحديث ليس صريحًا في أنّ متعلّم السحر كافر،وتكفي الآية،ويستأنس بالحديث معها.والله أعلم.انظر كتاب:ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر -جمعها أبوعبدالرحمن مقبل بن هادي الوادعي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت