ولكن الإسلام - مع هذا - يفتح باب التوبة،فلا يغلقه في وجه ضال يريد أن يتوب ولا يكلفه إلا أن يطرق الباب.بل أن يدلف إليه فليس دونه حجاب.وإلا أن يفيء إلى الحمى الآمن،ويعمل صالحا.فيدل على أن التوبة صادرة من قلب تاب: «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
فأما الذين لا يتوبون ولا يثوبون.الذين يصرون على الكفر ويزدادون كفرا.والذين يلجون في هذا الكفر حتى تفلت الفرصة المتاحة،وينتهي أمد الاختبار،ويأتي دور الجزاء.هؤلاء وهؤلاء لا توبة لهم ولا نجاة.
ولن ينفعهم أن يكونوا قد أنفقوا ملء الأرض ذهبا فيما يظنون هم أنه خير وبر،مادام مقطوعا عن الصلة باللّه.
ومن ثم فهو غير موصول به ولا خالص له بطبيعة الحال.ولن ينجيهم أن يقدموا ملء الأرض ذهبا ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة.فقد أفلتت الفرصة وأغلقت الأبواب: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ.إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدى بِهِ.أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ» ..
وهكذا يحسم السياق القضية بهذا التقرير المروع المفزع،وبهذا التوكيد الواضح الذي لا يدع ريبة لمستريب.
وبمناسبة الإنفاق على غير درب اللّه،وفي غير سبيله،وبمناسبة الافتداء يوم لا ينفع الفداء،يبين البذل الذي يرضاه: «لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ.وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ» ..
وقد فقه المسلمون وقتها معنى هذا التوجيه الإلهي،وحرصوا على أن ينالوا البر - وهو جماع الخير - بالنزول عما يحبون،ويبذل الطيب من المال،سخية به نفوسهم في انتظار ما هو أكبر وأفضل.
عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضى الله عنه - يَقُولُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا،وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بِيْرُ حَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدَ،وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ فَلَمَّا نَزَلَتْ ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ،إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِى كِتَابِهِ ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِى إِلَىَّ بِيْرُ حَاءَ،وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ،فَقَالَ « بَخٍ،ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ،ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ .قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ