وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)
«وَالضُّحى .وَاللَّيْلِ إِذا سَجى .ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ.وَما قَلى .وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » ..
يقسم اللّه سبحانه - بهذين الآنين الرائقين الموحيين.فيربط بين ظواهر الكون ومشاعر النفس.ويوحي إلى القلب البشري بالحياة الشاعرة المتجاوبة مع هذا الوجود الجميل الحي،المتعاطف مع كل حي.فيعيش ذلك القلب في أنس من هذا الوجود،غير موحش ولا غريب فيه فريد ..وفي هذه السورة بالذات يكون لهذا الأنس وقعه.فظل الأنس هو المراد مده.وكأنما يوحي اللّه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - منذ مطلع السورة،أن ربه أفاض من حوله الأنس في هذا الوجود،وأنه من ثم غير مجفوّ فيه ولا فريد!
وبعد هذا الإيحاء الكوني يجيء التوكيد المباشر: «ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى » ..ما تركك ربك ولا جفاك - كما زعم من يريدون إيذاء روحك وإيجاع قلبك وإقلاق خاطرك ..وهو «رَبُّكَ» وأنت عبده المنسوب إليه،المضاف إلى ربوبيته،وهو راعيك وكافلك ..
وما غاض معين فضله وفيض عطائه.فإن لك عنده في الآخرة من الحسنى خيرا مما يعطيك منها في الدنيا: «وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى » ..فهو الخير أولا وأخيرا ..
وإنه ليدخر لك ما يرضيك من التوفيق في دعوتك،وإزاحة العقبات من طريقك،وغلبة منهجك،وظهور حقك ..وهي الأمور التي كانت تشغل باله - صلى الله عليه وسلم - وهو يواجه العناد والتكذيب والأذى والكيد ..والشماتة .. «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » ..
الدرس الثاني:6- 8 بعض نعم الله تعالى على رسوله - صلى الله عليه وسلم -
ويمضي سياق السورة يذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما كان من شأن ربه معه منذ أول الطريق.ليستحضر في خاطره جميل صنع ربه به،ومودته له،وفيضه عليه،ويستمتع باستعادة مواقع الرحمة والود والإيناس الإلهي.وهو متاع فائق تحييه الذكرى على هذا النحو البديع: «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ؟ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ؟ وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ؟» ..
انظر في واقع حالك،وماضي حياتك ..هل ودعك ربك وهل قلاك - حتى قبل أن يعهد إليك بهذا الأمر؟ - ألم تحط يتمك رعايته؟ ألم تدرك حيرتك هدايته؟ ألم يغمر فقرك عطاؤه؟
لقد ولدت يتيما فآواك إليه،وعطف عليك القلوب حتى قلب عمك أبي طالب وهو على غير دينك! ولقد كنت فقيرا فأغنى اللّه نفسك بالقناعة،كما أغناك بكسبك ومال أهل بيتك (خديجة رضي اللّه عنها) عن أن تحس الفقر،أو تتطلع إلى ما حولك من ثراء! ثم لقد نشأت في جاهلية مضطربة