فليحذروا أن يكونوا هم الصم الذين لا يسمعون! فتطوى رقعة الأرض تحت أقدامهم،وتقص يد القدرة أطرافهم،وتتحيفهم وما هم فيه من متاع!!
ويتابع السياق إيقاعه المؤثر في القلوب،فيصورهم لأنفسهم حين يمسهم العذاب: «وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ:يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» ..والنفحة تطلق غالبا في الرحمة.ولكنها هنا تطلق في العذاب.كأنما ليقال:إن أخف مسة من عذاب ربك تطلقهم يجأرون بالاعتراف.ولكن حيث لا يجدي الاعتراف.فلقد سبق في سياق السورة مشهد القرى التي أخذها بأس اللّه،فنادى أهلها: «يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ.فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ» ..
وإذن فهو الاعتراف بعد فوات الأوان.ولخير منه أن يسمعوا نذير الوحي وفي الوقت متسع،قبل أن تمسهم نفحة من العذاب!
ويختم الشوط بالإيقاع الأخير من مشاهد يوم الحساب: «وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا.وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها.وَكَفى بِنا حاسِبِينَ» ..والحبة من خردل تصور أصغر ما تراه العيون وأخفه في الميزان،وهي لا تترك يوم الحساب ولا تضيع.
والميزان الدقيق يشيل بها أو يميل! فلتنظر نفس ما قدمت لغد.وليصغ قلب إلى النذير.وليبادر الغافلون المعرضون المستهزءون قبل أن يحق النذير في الدنيا أو في الآخرة.فإنهم إن نجوا من عذاب الدنيا فهناك عذاب الآخرة الذي تعد موازينه،فلا تظلم نفس شيئا،ولا يهمل مثقال حبة من خردل [1] .
(1) - وقد دلت النصوص على أن الميزان ميزان حقيقي،لا يقدر قدره إلا الله،فقد روى الحالكم عَنْ سَلْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ،قَالَ:يُوضَعُ الْمِيزَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،فَلَوْ وُزِنَ فِيهِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ لَوَسِعَتْ،فَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ:يَا رَبِّ،لِمَنْ يَزِنُ هَذَا ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:لِمَنْ شِئْتُ مِنْ خَلْقِي،فَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ:سُبْحَانَكَ،مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ،وَيُوضَعُ الصِّرَاطُ مِثْلَ حَدَّ الْمُوسَى،فَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ:مَنْ تُجِيزُ عَلَى هَذَا ؟ فَيَقُولُ:مَنْ شِئْتَ مِنْ خَلْقِي،فَيَقُولُ:سُبْحَانَكَ،مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ"المستدرك للحاكم (8739) صحيح"
والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل:الأعمال وإن كانت أعراضًا، إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما.
قال البغوي:يروى هذا عن ابن عباس كما جاء في الصحيح من أن"البقرة"و"آل عمران"يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان -أو:غيَايَتان -أو فِرْقَان من طير صَوَافّ. من ذلك في الصحيح قصة القرآن وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللَّون، فيقول:من أنت؟ فيقول:أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك وفي حديث البراء، في قصة سؤال القبر:"فيأتي المؤمن شابٌّ حسن اللون طيّب الريح، فيقول:من أنت؟ فيقول:أنا عملك الصالح"
وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق.
وقيل:يوزن كتاب الأعمال، كما جاء في حديث البطاقة، في الرجل الذي يؤتى به ويوضع له في كِفَّة تسعة وتسعون سجلا كل سِجِلّ مَدّ البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها:"لا إله إلا الله"فيقول:يا رب، وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله تعالى:إنك لا تُظلَم. فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"فَطاشَت السجلات، وثَقُلَتِ البطاقة".
رواه الترمذي بنحو من هذا وصححه.
وقيل:يوزن صاحب العمل، كما في الحديث:"يُؤتَى يوم القيامة بالرجل السَّمِين، فلا يَزِن عند الله جَنَاح بَعُوضَة"ثم قرأ: { فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } [ الكهف:105 ] .
وفي مناقب عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى عليه وسلم قال:"أتعجبون من دِقَّة ساقَيْهِ، فوالذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أُحُدٍ"
وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها، والله أعلم.تفسير ابن كثير - دار طيبة [3 /389]