ونحن اليوم مسلمون،ولكن حساسيتنا بمثل هذه الدقائق قد تبلدت وغلظت.وإن الرجل ليهجم على أخيه في بيته،في أية لحظة من لحظات الليل والنهار،يطرقه ويطرقه ويطرقه فلا ينصرف أبدا حتى يزعج أهل البيت فيفتحوا له.وقد يكون في البيت هاتف «تليفون» يملك أن يستأذن عن طريقه،قبل أن يجيء، ليؤذن له أو يعلم أن الموعد لا يناسب ولكنه يهمل هذا الطريق ليهجم في غير أوان،وعلى غير موعد.
ثم لا يقبل العرف أن يرد عن البيت - وقد جاء - مهما كره أهل البيت تلك المفاجأة بلا إخطار ولا انتظار! ونحن اليوم مسلمون،ولكننا نطرق إخواننا في أية لحظة في موعد الطعام.فإن لم يقدم لنا الطعام وجدنا في أنفسنا من ذلك شيئا! ونطرقهم في الليل المتأخر،فإن لم يدعونا إلى المبيت عندهم وجدنا في أنفسنا من ذلك شيئا! دون أن نقدر أعذارهم في هذا وذاك! ذلك أننا لا نتأدب بأدب الإسلام ولا نجعل هوانا تبعا لما جاء به رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إنما نحن عبيد لعرف خاطئ،ما أنزل اللّه به من سلطان! ونرى غيرنا ممن لم يعتنقوا الإسلام،يحافظون على تقاليد في سلوكهم تشبه ما جاء به ديننا ليكون أدبا لنا في النفس،وتقليدا من تقاليدنا في السلوك.فيعجبنا ما نراهم عليه أحيانا ونتندر به أحيانا.ولا نحاول أن نعرف ديننا الأصيل،فنفيء إليه مطمئنين.
وبعد الانتهاء من أدب الاستئذان على البيوت - وهو إجراء وقائي في طريق تطهير المشاعر واتقاء أسباب الفتنة العابرة - يأخذ على الفتنة الطريق كي لا تنطلق من عقالها،بدافع النظر لمواضع الفتنة المثيرة،وبدافع الحركة المعبرة،الداعية إلى الغواية: « قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ:يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ،وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ،ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ.إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ.وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ:يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ،وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ،وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ،وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ،أَوْ آبائِهِنَّ،أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ،أَوْ أَبْنائِهِنَّ،أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ،أَوْ إِخْوانِهِنَّ،أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ،أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ،أَوْ نِسائِهِنَّ،أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ،أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ،أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ.وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ.وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا - أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ - لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» ..
إن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع نظيف،لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة،ولا تستثار فيه دفعات اللحم والدم في كل حين.فعمليات الاستثارة المستمرة تنتهي إلى سعار شهواني لا ينطفئ ولا يرتوي.والنظرة الخائنة،والحركة المثيرة،والزينة المتبرجة،والجسم العاري ...كلها لا تصنع شيئا إلا أن تهيج ذلك السعار الحيواني المجنون! وإلا أن يفلت زمام الأعصاب والإرادة.فإما الإفضاء الفوضوي الذي لا يتقيد بقيد وإما الأمراض العصبية والعقد النفسية الناشئة من الكبح بعد الإثارة! وهي تكاد أن تكون عملية تعذيب!!!