فهرس الكتاب

الصفحة 2671 من 4997

وإنها لحقيقة تلقي على البشر تبعة ثقيلة فقد قضت مشيئة اللّه وجرت بها سنته،أن تترتب مشيئة اللّه بالبشر على تصرف هؤلاء البشر وأن تنفذ فيهم سنته بناء على تعرضهم لهذه السنة بسلوكهم.والنص صريح في هذا لا يحتمل التأويل.وهو يحمل كذلك - إلى جانب التبعة - دليل التكريم لهذا المخلوق الذي اقتضت مشيئة اللّه،أن يكون هو بعمله أداة التنفيذ لمشيئة اللّه فيه.

وبعد تقرير المبدأ يبرز السياق حالة تغيير اللّه ما بقوم إلى السوء لأنهم - حسب المفهوم من الآية - غيروا ما بأنفسهم إلى أسوء فأراد لهم اللّه السوء: «وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ» ..يبرز السياق هذا الجانب هنا دون الجانب الآخر لأنه في معرض الذين يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة.

وقد قدم لهم هناك المغفرة على العذاب ليبرز غفلتهم،وهو هنا يبرز العاقبة السوأى وحدها لإنذارهم حيث لا يرد عذاب اللّه عنهم - إذا استحقوه بما في أنفسهم - ولا يعصمهم منه وال يناصرهم ..

الدرس الرابع:12 - 16 خضوع المخلوقات لله وإثبات الوحدانية وذم كفر الكافرين

ثم يأخذ السياق في جولة جديدة في واد آخر،موصول بذلك الوادي الذي كنا فيه.واد تجتمع فيه مناظر الطبيعة ومشاعر النفس،متداخلة متناسقة في الصورة والظل والإيقاع.وتخيم عليه الرهبة والضراعة والجهد والإشفاق.وتظل النفس فيه في ترقب وحذر،وفي تأثر وانفعال: « هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ.خَوْفًا وَطَمَعًا.وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ.وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ.وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ،وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ.لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ،وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ،وَما هُوَ بِبالِغِهِ،وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ.وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا،وَظِلالُهُمْ،بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ.قُلْ:مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؟ قُلِ:اللَّهُ.قُلْ:أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا؟ قُلْ:هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ.أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ؟ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ؟ قُلِ:اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ» ..

والبرق والرعد والسحاب مشاهد معروفة،وكذلك الصواعق التي تصاحبها في بعض الأحيان.وهي بذاتها مشاهد ذات أثر في النفس - سواء عند الذين يعرفون الكثير عن طبيعتها والذين لا يعرفون عن اللّه شيئا! والسياق يحشدها هنا ويضيف إليها الملائكة والظلال والتسبيح والسجود والخوف والطمع،والدعاء الحق والدعاء الذي لا يستجاب.ويضم إليها هيئة أخرى:هيئة ملهوف يتطلب الماء،باسطا كفيه ليبلغه،فاتحا فاه يتلقف منه قطرة ..هذه كلها لا تتجمع في النص اتفاقا أو جزافا.إنما تتجمع لتلقي كلها ظلالها على المشهد،وتلفه في جو من الرهبة والترقب،والخوف والطمع،والضراعة والارتجاف،في سياق تصوير سلطان اللّه المتفرد بالقهر والنفع والضر،نفيا للشركاء المدعاة،وإرهابا من عقبى الشرك باللّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت