فهرس الكتاب

الصفحة 2672 من 4997

«هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ.خَوْفًا وَطَمَعًا.» ..هو اللّه الذي يريكم هذه الظاهرة الكونية،فهي ناشئة من طبيعة الكون التي خلقها هو على هذا النحو الخاص،وجعل لها خصائصها وظواهرها.ومنها البرق الذي يريكم إياه وفق ناموسه،فتخافونه لأنه بذاته يهز الأعصاب،ولأنه قد يتحول إلى صاعقة،ولأنه قد يكون نذيرا بسبيل مدمر كما علمتكم تجاربكم.وتطمعون في الخير من ورائه،فقد يعقبه المطر المدرار المحيي للموات،المجري للأنهار.

«وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ» ..وهو كذلك الذي ينشئ السحاب - والسحاب اسم جنس واحدته سحابة - الثقال بالماء.فوفق ناموسه في خلقة هذا الكون وتركيبه تتكون السحب،وتهطل الأمطار.ولو لم يجعل خلقة الكون على هذا النحو ما تكونت سحب ولا هطلت أمطار.ومعرفة كيف تتكون السحب،وكيفية هطول الأمطار لا تفقد هذه الظاهرة الكونية شيئا من روعتها،ولا شيئا من دلالتها.فهي تتكون وفق تركيب كوني خاص لم يصنعه أحد إلا اللّه.ووفق ناموس معين يحكم هذا التركيب لم يشترك في سنه أحد من عبيد اللّه! كما أن هذا الكون لم يخلق نفسه،ولا هو الذي ركب في ذاته ناموسه! والرعد ..الظاهرة الثالثة لجو المطر والبرق والرعد ..هذا الصوت المقرقع المدوي.إنه أثر من آثار الناموس الكوني،الذي صنعه اللّه - أيا كانت طبيعته وأسبابه - فهو رجع صنع اللّه في هذا الكون،فهو حمد وتسبيح بالقدرة التي صاغت هذا النظام.كما أن كل مصنوع جميل متقن يسبح ويعلن عن حمد الصانع والثناء عليه بما يحمله من آثار صنعته من جمال وإتقان ..وقد يكون المدلول المباشر للفظ يسبح هو المقصود فعلا،ويكون الرعد «يسبح» فعلا بحمد اللّه.فهذا الغيب الذي زواه اللّه عن البشر لا بد أن يتلقاه البشر بالتصديق والتسليم وهم لا يعلمون من أمر هذا الكون ولا من أمر أنفسهم إلا القليل! وقد اختار التعبير أن ينص على تسبيح الرعد بالحمد اتباعا لمنهج التصوير القرآني في مثل هذا السياق،وخلع سمات الحياة وحركاتها على مشاهد الكون الصامتة لتشارك في المشهد بحركة من جنس حركة المشهد كله - كما فصلت هذا في كتاب التصوير الفني في القرآن - والمشهد هنا مشهد أحياء في جو طبيعي.وفيه الملائكة تسبح من خيفته،وفيه دعاء للّه،ودعاء للشركاء.وفيه باسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه ..ففي وسط هذا المشهد الداعي العابد المتحرك اشترك الرعد ككائن حي بصوته في التسبيح والدعاء ..

ثم يكمل جو الرهبة والابتهال والبرق والرعد والسحاب الثقال ..بالصواعق يرسلها فيصيب بها من يشاء.والصواعق ظاهرة طبيعية ناشئة من تركيب الكون على هذا المنوال واللّه يصيب بها أحيانا من غيروا ما بأنفسهم واقتضت حكمته ألا يمهلهم،لعلمه أن لا خير في إمهالهم،فاستحقوا الهلاك ..

والعجيب أنه في هول البرق والرعد والصواعق،وفي زحمة تسبيح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وزمجرة العواصف بغضبه ..في هذا الهول ترتفع أصوات بشرية بالجدل في اللّه صاحب كل هذه القوى وباعث كل هذه الأصوات التي ترتفع على كل جدال وكل محال:«وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت