الْمِحالِ»! وهكذا تضيع أصواتهم الضعيفة في غمرة هذا الهول المتجاوب بالدعاء والابتهال والرعد والقرقعة والصواعق،الناطقة كلها بوجود اللّه - الذي يجادلون فيه - وبوحدانيته واتجاه التسبيح والحمد إليه وحده من أضخم مجالي الكون الهائل،ومن الملائكة الذين يسبحون من خيفته (وللخوف إيقاعه في هذا المجال) فأين من هذا كله أصوات الضعاف من البشر وهم يجادلون في اللّه وهو شديد المحال؟! وهم يجادلون في اللّه وينسبون إليه شركاء يدعونهم معه.ودعوة اللّه هي وحدها الحق وما عداها باطل ذاهب،لا ينال صاحبه منه إلا العناء: «لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ،وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيء، إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ،وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ» ..
والمشهد هنا ناطق متحرك جاهد لاهف ..فدعوة واحدة هي الحق،وهي التي تحق،وهي التي تستجاب.
إنها دعوة اللّه والتوجه إليه والاعتماد عليه وطلب عونه ورحمته وهداه.وما عداها باطل وما عداها ضائع وما عداها هباء ..ألا ترون حال الداعين لغيره من الشركاء؟ انظروا هذا واحد منهم.ملهوف ظمآن يمد ذراعيه ويبسط كفيه.وفمه مفتوح يلهث بالدعاء.يطلب الماء ليبلغ فاه فلا يبلغه.وما هو ببالغه.بعد الجهد واللهفة والعناء.وكذلك دعاء الكافرين باللّه الواحد حين يدعون الشركاء: «وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ» .
وفي أي جو لا يبلغ هذا الداعي اللاهف اللاهث قطرة من ماء؟ في جو البرق والرعد والسحاب الثقال،التي تجري هناك بأمر اللّه الواحد القهار!
وفي الوقت الذي يتخذ هؤلاء الخائبون آلهة من دون اللّه،ويتوجهون إليهم بالرجاء والدعاء،إذا كل من في الكون يعنو للّه،وكلهم محكومون بإرادته،خاضعون لسنته،مسيرون وفق ناموسه.المؤمن منهم يخضع طاعة وإيمانا،وغير المؤمن يخضع أخذا وإرغاما،فما يملك أحد أن يخرج على إرادة اللّه،ولا أن يعيش خارج ناموسه الذي سنه للحياة: «وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا،وَظِلالُهُمْ،بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ» ..
ولأن الجو جو عبادة ودعاء،فإن السياق يعبر عن الخضوع لمشيئة اللّه بالسجود وهو أقصى رمز للعبودية،ثم يضم إلى شخوص من في السماوات والأرض،ظلالهم كذلك.ظلالهم بالغدو في الصباح،وبالآصال عند انكسار الأشعة وامتداد الظلال.يضم هذه الظلال إلى الشخوص في السجود والخضوع والامتثال.وهي في ذاتها حقيقة،فالظلال تبع للشخوص.ثم تلقي هذه الحقيقة ظلها على المشهد،فإذا هو عجب.وإذا السجود مزدوج:شخوص وظلال!
وإذا الكون كله بما فيه من شخوص وظلال جاثية خاضعة عن طريق الإيمان أو غير الإيمان سواء.كلها تسجد للّه ..وأولئك الخائبون يدعون آلهة من دون اللّه!