فهرس الكتاب

الصفحة 2674 من 4997

وفي جو هذا المشهد العجيب يتوجه إليهم بالأسئلة التهكمية.فما يجدر بالمشرك باللّه في مثل هذا الجو إلا التهكم،وما يستحق إلا السخرية والاستهزاء: «قُلْ:مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؟ قُلِ:اللَّهُ.قُلْ:أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا؟ قُلْ:هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ؟ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ؟ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ؟ قُلِ:اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيء، وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ» ..

سلهم - وكل من في السماوات والأرض مأخوذ بقدرة اللّه وإرادته - رضي أم كره: «مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؟» ..وهو سؤال لا ليجيبوا عنه،فقد أجاب السياق من قبل.إنما ليسمعوا الجواب ملفوظا وقد رأوه مشهودا: «قل:اللّه» ..ثم سلهم: «أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا؟» ..سلهم للاستنكار فهم بالفعل قد اتخذوا أولئك الأولياء.سلهم والقضية واضحة،والفرق بين الحق والباطل واضح:وضوح الفارق بين الأعمى والبصير،وبين الظلمات والنور.وفي ذكر الأعمى والبصير إشارة إليهم وإلى المؤمنين فالعمى وحده هو الذي يصدهم عن رؤية الحق الواضح الجاهر الذي يحس بأثره كل من في السماوات والأرض.وفي ذكر الظلمات والنور إشارة إلى حالهم وحال المؤمنين،فالظلمات التي تحجب الرؤية هي التي تلفهم وتكفهم عن الإدراك للحق المبين.أم ترى هؤلاء الشركاء الذين اتخذوهم من دون اللّه،خلقوا مخلوقات كالتي خلقها اللّه.فتشابهت على القوم هذه المخلوقات وتلك،فلم يدروا أيها من خلق اللّه وأيها من خلق الشركاء؟ فهم معذورون إذن إن كان الأمر كذلك،في اتخاذ الشركاء،فلهم من صفات اللّه تلك القدرة على الخلق،التي بها يستحق المعبود العبادة وبدونها لا تقوم شبهة في عدم استحقاقه! وهو التهكم المر على القوم يرون كل شيء من خلق اللّه،ويرون هذه الآلهة المدعاة لم تخلق شيئا،وما هي بخالقة شيئا،إنما هي مخلوقة.وبعد هذا كله يعبدونها ويدينون لها في غير شبهة.وذلك أسخف وأحط ما تصل العقول إلى دركه من التفكير ..

والتعقيب على هذا التهكم اللاذع،حيث لا معارضة ولا جدال،بعد هذا السؤال: «قُلِ:اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيء.وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ» ..فهي الوحدانية في الخلق،وهي الوحدانية في القهر - أقصى درجات السلطان - وهكذا تحاط قضية الشركاء في مطلعها بسجود من في السماوات والأرض وظلالهم طوعا وكرها للّه وفي ختامها بالقهر الذي يخضع له كل شيء في الأرض أو في السماء ..وقد سبقته من قبل بروق ورعود وصواعق وتسبيح وتحميد عن خوف أو طمع ..فأين القلب الذي يصمد لهذا الهول،إلا أن يكون أعمى مطموسا يعيش في الظلمات،حتى يأخذه الهلاك؟! وقبل أن نغادر هذا الوادي نشير إلى التقابلات الملحوظة في طريقة الأداء.بين «خوفا وطمعا» وبين البرق الخاطف والسحاب الثقال - و «الثقال» هنا،بعد إشارتها إلى الماء،تشارك في صفة التقابل مع البرق الخفيف الخاطف - وبين تسبيح الرعد بحمده وتسبيح الملائكة من خيفته.وبين دعوة الحق ودعوة الجهد الضائع.وبين السماوات والأرض،وسجود من فيهن طوعا وكرها.وبين الشخوص والظلال.وبين الغدو والآصال.وبين الأعمى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت