في تربية النفوس أم في إقامة المجتمع،ووضع شرائعه وتنظيمه وسواء كانت هذه الشرائع متعلقة بالنظام الداخلي للمجتمع المسلم،أم بالنظام الدولي،الذي يتعامل هذا المجتمع على أساسه مع المجتمعات الأخرى.ومن ثم نجد هذا الافتتاح لمجموعة الآيات المتضمنة لطائفة من قواعد التعامل الخارجية والداخلية أيضا.
كذلك من الاعتقاد في الآخرة،وجمع اللّه الواحد لعباده،ليحاسبهم هناك على ما أتاح لهم في الدنيا من فرص العمل والابتلاء ،تبدأ خطوات هذا المنهج في تربية النفوس،وإثارة الحساسية فيها تجاه التشريعات والتوجيهات وتجاه كل حركة من حركاتها في الحياة ..فهو الابتلاء في الصغيرة والكبيرة في الدنيا والحساب على الصغيرة والكبيرة في الآخرة ..وهذا هو الضمان الأوثق لنفاذ الشرائع والأنظمة لأنه كامن هناك في أعماق النفس،حارس عليها،سهران حيث يغفو الرقباء ويغفل السلطان! هذا حديث اللّه - سبحانه - وهذا وعده: « وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا» ..
وبعد هذه اللمسة للقلوب،وهي اللمسة الدالة على طريقة هذا المنهج في التربية،كما هي دالة على أساس التصور الاعتقادي العملي في حياة الجماعة المسلمة ..
بعد هذه اللمسة يبدأ في استنكار حالة من التميع في مواجهة النفاق والمنافقين وقلة الحسم في موضع الحسم في معاملة الجماعة المسلمة لهم وانقسام هذه الجماعة فئتين في أمر طائفة من المنافقين - من خارج المدينة كما سنبين - حيث يشي هذا الاستنكار بما كان في المجتمع المسلم يومئذ من عدم التناسق كما يشي بتشدد الإسلام في ضرورة تحديد الأمور وحسمها،وكراهة التميع في التعامل مع المنافقينو النظرة إليهم والارتكان إلى ظاهرهم ..ما لم يكن ذلك عن خطة مقررة هادفة: «فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ؟ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ؟ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا.وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً.فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ،وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ،وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا» ..
وقد وردت في شأن هؤلاء المنافقين روايات،أهمها روايات [1] :
عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ،قَالَ:سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدٍ يَعْنِي ابْنَ ثَابِتٍ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ رَجَعَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ،وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيهِمْ فِرْقَتَانِ،فِرْقَةٌ تَقُولُ:نَقْتُلُهُمْ،وَفِرْقَةٌ تَقُولُ:لا،فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:"فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا"الآيَةَ كُلَّهَا". [2]
(1) - التفصيل من عندي لزيادة الفائدة والتوضيح
(2) - تفسير ابن أبي حاتم - (4 / 280) (5774) صحيح