فهرس الكتاب
فبين لهم وذكرهم بنعمة اللّه عليهم،وأعلن لهم ما تأذن اللّه به:لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ..ثم عرض عليهم قصة النبوات والمكذبين.بدأها ثم توارى عن السياق وتابعت القصة أدوارها ومشاهدها حتى انتهت بالكافرين إلى ذلك الموقف،الذي يستمعون فيه من الشيطان عظته البليغة! حيث لا تنفع العظات! فالآن يعود السياق إلى المكذبين من قوم محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد ما عرض عليهم ذلك الشريط الطويل - أولئك الذين أنعم اللّه عليهم - فيما أنعم - برسول يخرجهم من الظلمات إلى النور،ويدعوهم ليغفر اللّه لهم،فإذا هم يكفرون النعمة،ويردونها،ويستبدلون بها الكفر،يؤثرونه على الرسول وعلى دعوة الإيمان ..
ومن ثم يبدأ الشوط الثاني بالتعجيب من أمر هؤلاء الذين يبدلون نعمة اللّه كفرا،ويقودون قومهم إلى دار البوار،كما قاد من قبلهم أتباعهم إلى النار.في قصة الرسل والكفار.
ثم يستطرد إلى بيان نعم اللّه على البشر في أضخم المشاهد الكونية البارزة.ويقدم نموذجا لشكر النعمة:إبراهيم الخليل - بعد أن يأمر الذين آمنوا بلون من ألوان الشكر هو الصلاة والبر بعباد اللّه - قبل أن يأتي يوم لا تربو فيه الأموال.يوم لا بيع فيه ولا خلال.
فأما الذين كفروا فليسوا بمتروكين عن غفلة ولا إهمال،إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار.وأما وعد اللّه لرسله فهو واقع مهما يمكر الذين كفروا وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ..
وهكذا يتماسك الشوط الثاني مع الشوط الأول ويتناسق.
«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ،جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها،وَبِئْسَ الْقَرارُ؟! «وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ.قُلْ:تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ» ..
ألم تر إلى هذا الحال العجيب.حال الذين وهبوا نعمة اللّه،ممثلة في رسول وفي دعوة إلى الإيمان،وفي قيادة إلى المغفرة،وإلى مصير في الجنة ..فإذا هم يتركون هذا كله ويأخذون بدله «كفرا» ! أولئك هم السادة القادة من كبراء قومك - مثلهم مثل السادة القادة من كل قوم - وبهذا الاستبدال العجيب قادوا قومهم إلى جهنم،وأنزلوهم بها - كما شاهدنا منذ قليل في الأقوام من قبل! - وبئس ما أحلوهم من مستقر،وبئس القرار فيها من قرار!
ألم تر إلى تصرف القوم العجيب،بعد ما رأوا ما حل بمن قبلهم - وقد عرضه القرآن عليهم عرض رؤية في مشاهد تلك القصة التي مضى بها الشوط الأول من السورة.عرضه كأنه وقع فعلا.وإنه لواقع.وما يزيد النسق القرآني على أن يعرض ما تقرر وقوعه في صورة الواقع المشهود.
لقد استبدلوا بنعمة الرسول ودعوته كفرا.وكانت دعوته إلى التوحيد،فتركوها: «وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ» ..جعلوا للّه أقرانا مماثلين يعبدونهم كعبادته،ويدينون لسلطانهم كما يدينون