في هذه السورة الصغيرة ذات الآيات الثلاث يتمثل منهج كامل للحياة البشرية كما يريدها الإسلام.وتبرز معالم التصور الإيماني بحقيقته الكبيرة الشاملة في أوضح وأدق صورة.إنها تضع الدستور الإسلامي كله في كلمات قصار.وتصف الأمة المسلمة:حقيقتها ووظيفتها.في آية واحدة هي الآية الثالثة من السورة ..وهذا هو الإعجاز الذي لا يقدر عليه إلا اللّه ..
والحقيقة الضخمة التي تقررها هذه السورة بمجموعها هي هذه:
إنه على امتداد الزمان في جميع الأعصار،وامتداد الإنسان في جميع الأدهار،ليس هنالك إلا منهج واحد رابح،وطريق واحد ناج.هو ذلك المنهج الذي ترسم السورة حدوده،وهو هذا الطريق الذي تصف السورة معالمه.وكل ما وراء ذلك ضياع وخسار ..
وعَنْ أَبِي مَدِينَةٍ الدَّارِمِيِّ،قَالَ:كَانَ الرَّجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا التَقَيَا،ثُمَّ أَرَادَا أَنْ يَفْتَرِقَا،قَرَأَ أَحَدُهُمَا:وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ حَتَّى يَخْتِمَهَا،ثُمَّ يُسَلِّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ." [1] "
[سورة العصر (103) :الآيات 1 إلى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (3) }
«وَالْعَصْرِ،إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ.إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا،وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ،وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ» .
إنه الإيمان.والعمل الصالح.والتواصي بالحق.والتواصي بالصبر ..
فما الإيمان؟؟
نحن لا نعرّف الإيمان هنا تعريفه الفقهي ولكننا نتحدث عن طبيعته وقيمته في الحياة.
إنه اتصال هذا الكائن الإنساني الفاني الصغير المحدود بالأصل المطلق الأزلي الباقي الذي صدر عنه الوجود.
ومن ثم اتصاله بالكون الصادر عن ذات المصدر،وبالنواميس التي تحكم هذا الكون،وبالقوى والطاقات المذخورة فيه.والانطلاق حينئذ من حدود ذاته الصغيرة إلى رحابة الكون الكبير.ومن حدود قوته
(1) - الزُّهْدُ أَبِي دَاوُدَ (402 ) والْمُعْجَمُ الْأَوْسَطُ لِلطَّبَرَانِيِّ (5281 ) صحيح