فهرس الكتاب

الصفحة 1704 من 4997

من الانزواء والانكماش والعدمية! أو ينشئ حالة من الاستهتار والتمرد والفردية! وفي كلتا الحالتين لا يكون إلا القلق المضني! والبؤس النفسي والعقلي،والشرود في التيه:تيه التمرد،أو تيه العدم .. وهما سواء ..

وهي ليست مأساة «الوجودية» وحدها من مذاهب الفكر الأوربي. إنها مأساة الفكر الأوربي كله - بكل مذاهبه واتجاهاته - بل مأساة الجاهلية كلها في جميع أزمانها وبيئاتها. المأساة التي يضع الإسلام حدا لها بعقيدته الشاملة. التي تنشئ في الإدراك البشري تصورا صحيحا لهذا الوجود،وما وراءه من قوة مدبرة.

إن «الإنسان» هو ابن هذه الأرض وهو ابن هذا الكون. لقد أنشأه اللّه من هذه الأرض،ومكنه فيها،وجعل له فيها أرزاقا ومعايش،ويسر له المعرفة التي تسلمه مفاتيحها وجعل نواميسها موافقة لوجود هذا الإنسان،تساعده - حين يتعرف إليها على بصيرة - وتيسر حياته ..

ولكن الناس قليلا ما يشكرون .. ذلك أنهم في جاهليتهم لا يعلمون .. وحتى الذين يعلمون لا يملكون أن يوفوا نعمة اللّه عليهم حقها من الشكر،وأنى لهم الوفاء؟ لولا أن اللّه يقبل منهم ما يطيقون:وهؤلاء وهؤلاء ينطبق عليهم بهذين الاعتبار ين قوله تعالى: «قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ» .

الدرس الثاني:11 - 18 رفض إبليس السجود والحكم عليه بالطرد

بعد ذلك تبدأ قصة البشرية بأحداثها المثيرة .. تبدأ بإعلان ميلاد الإنسان في احتفال مهيب،في رحاب الملأ الأعلى .. يعلنه الملك العزيز الجليل العظيم زيادة في الحفاوة والتكريم. وتحتشد له الملائكة - وفي زمرتهم وإن لم يكن منهم إبليس - وتشهده السماوات والأرض وما خلق اللّه من شيء .. إنه أمر هائل وحدث عظيم في تاريخ هذا الوجود: «وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ،ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ،ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ:اسْجُدُوا لِآدَمَ. فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. قالَ:ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟ قالَ:أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ،خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ. قالَ:فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها،فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ. قالَ:أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قالَ:إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. قالَ:فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ،وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ. قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا،لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ» ..

هذا هو المشهد الأول .. وهو مشهد مثير .. ومشهد خطير .. ونحن نؤثر استعراض مشاهد هذه القصة ابتداء ونرجئ التعليق عليها،واستلهام إيحاءاتها إلى أن نفرغ من استعراضها .. « وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ،ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ،ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ:اسْجُدُوا لِآدَمَ. فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ» إن الخلق قد يكون معناه:الإنشاء. والتصوير قد يكون معناه:إعطاء الصورة والخصائص .. وهما مرتبتان في النشأة لا مرحلتان .. فإن «ثم» قد لا تكون للترتيب الزمني،ولكن للترقي المعنوي. والتصوير أرقى مرتبة من مجرد الوجود. فالوجود يكون للمادة الخامة ولكن التصوير - بمعنى إعطاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت