الجاهلية،وعقيدتهم ليست خالصة للّه،ولا نصيب لهم من عمل أو جهاد،لا يجوز أن يسوى هؤلاء - لمجرد عمارتهم للبيت وخدمتهم للحجيج - بالذين آمنوا إيمانا صحيحا وجاهدوا في سبيل اللّه وإعلاء كلمته: «أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟» .. «لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ» .وميزان اللّه هو الميزان وتقديره هو التقدير.
«وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» .المشركين الذين لا يدينون دين الحق،ولا يخلصون عقيدتهم من الشرك،ولو كانوا يعمرون البيت ويسقون الحجيج.
وينتهي هذا المعنى بتقرير فضل المؤمنين المهاجرين المجاهدين،وما ينتظرهم من رحمة ورضوان،ومن نعيم مقيم وأجر عظيم: «الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ،وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ.يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ،خالِدِينَ فِيها أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» ..
وأفعل التفضيل هنا في قوله: «أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ» ليس على وجهه،فهو لا يعني أن للآخرين درجة أقل،إنما هو التفضيل المطلق.فالآخرون «حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ» فلا مفاضلة بينهم وبين المؤمنين المهاجرين المجاهدين في درجة ولا في نعيم.
ثم يمضي السياق في تجريد المشاعر والصلات في قلوب الجماعة المؤمنة،وتمحيصها للّه ولدين اللّه فيدعو إلى تخليصها من وشائج القربى والمصلحة واللذة،ويجمع كل لذائذ البشر،وكل وشائج الحياة،فيضمها في كفة،ويضع حب اللّه ورسوله وحب الجهاد في سبيله في الكفة الأخرى،ويدع للمسلمين الخيار.
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ - إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ - - وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.قُلْ:إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ،وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها،وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها،وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها ..أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ،فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ.وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» ..
إن هذه العقيدة لا تحتمل لها في القلب شريكا فإما تجرد لها،وإما انسلاخ منها.وليس المطلوب أن ينقطع المسلم عن الأهل والعشيرة والزوج والولد والمال والعمل والمتاع واللذة ولا أن يترهبن ويزهد في طيبات الحياة ..كلا إنما تريد هذه العقيدة أن يخلص لها القلب،ويخلص لها الحب،وأن تكون هي المسيطرة والحاكمة،وهي المحركة والدافعة.فإذا تم لها هذا فلا حرج عندئذ أن يستمتع المسلم بكل طيبات الحياة،على أن يكون مستعدا لنبذها كلها في اللحظة التي تتعارض مع مطالب العقيدة.
ومفرق الطريق هو أن تسيطر العقيدة أو يسيطر المتاع وأن تكون الكلمة الأولى للعقيدة أو لعرض من أعراض هذه الأرض.فإذا اطمأن المسلم إلى أن قلبه خالص لعقيدته فلا عليه بعد هذا أن يستمتع بالأبناء والإخوة وبالزوج والعشيرة ولا عليه أن يتخذ الأموال والمتاجر والمساكن ولا عليه أن يستمتع