فهرس الكتاب

الصفحة 4813 من 4997

كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (23) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (25) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (26) » ..

ودك الأرض،تحطيم معالمها وتسويتها وهو أحد الانقلابات الكونية التي تقع في يوم القيامة.فأما مجيء ربك والملائكة صفا صفا،فهو أمر غيبي لا ندرك طبيعته ونحن في هذه الأرض.ولكنا نحس وراء التعبير بالجلال والهول.كذلك المجيء بجهنم.نأخذ منه قربها منهم وقرب المعذبين منها وكفى.فأما حقيقة ما يقع وكيفيته فهي من غيب اللّه المكنون ليومه المعلوم.

إنما يرتسم من وراء هذه الآيات،ومن خلال موسيقاها الحادة التقسيم،الشديدة الأسر،مشهد ترجف له القلوب،وتخشع له الأبصار.والأرض تدك دكا دكا! والجبار المتكبر يتجلى ويتولى الحكم والفصل،ويقف الملائكة صفا صفا.ثم يجاء بجهنم فتقف متأهبة هي الأخرى!

«يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ» ..الإنسان الذي غفل عن حكمة الابتلاء بالمنع والعطاء.والذي أكل التراث أكلا لما،وأحب المال حبا جما.والذي لم يكرم اليتيم ولم يحض على طعام المسكين.والذي طغى وأفسد وتولى ..يومئذ يتذكر.يتذكر الحق ويتعظ بما يرى ..ولكن لقد فات الأوان «وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ؟» ..ولقد مضى عهد الذكرى،فما عادت تجدي هنا في دار الجزاء أحدا! وإن هي إلا الحسرة على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا! وحين تتجلى له هذه الحقيقة: «يَقُولُ:يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي» ..يا ليتني قدمت شيئا لحياتي هنا.فهي الحياة الحقيقية التي تستحق اسم الحياة.وهي التي تستأهل الاستعداد والتقدمة والادخار لها.يا ليتني ..أمنية فيها الحسرة الظاهرة،وهي أقسى ما يملكه الإنسان في الآخرة! ثم يصور مصيره بعد الحسرة الفاجعة والتمنيات الضائعة: «فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ،وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ» ..إنه اللّه القهار الجبار.الذي يعذب يومئذ عذابه الفذ الذي لا يملك مثله أحد.والذي يوثق وثاقه الفذ الذي لا يوثق مثله أحد.وعذاب اللّه ووثاقه يفصلهما القرآن في مواضع أخرى في مشاهد القيامة الكثيرة المنوعة في ثنايا القرآن كله،ويجملهما هنا حيث يصفهما بالتفرد بلا شبيه من عذاب البشر ووثاقهم.أو من عذاب الخلق جميعا ووثاقهم.وذلك مقابل ما أسلف في السورة من طغيان الطغاة ممثلين في عاد وثمود وفرعون،وإكثارهم من الفساد في الأرض،مما يتضمن تعذيب الناس وربطهم بالقيود والأغلال.فها هو ذا ربك - أيها النبي وأيها المؤمن - يعذب ويوثق من كانوا يعذبون الناس ويوثقونهم.ولكن شتان بين عذاب وعذاب،ووثاق ووثاق ..وهان ما يملكه الخلق من هذا الأمر،وجل ما يفعله صاحب الخلق والأمر.فليكن عذاب الطغاة للناس ووثاقهم ما يكون.فسيعذبون هم ويوثقون،عذابا ووثاقا وراء التصورات والظنون!

الدرس السادس :27- 30 جزاء النفس المطمئنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت