فهرس الكتاب

الصفحة 2317 من 4997

مقدمة الوحدة:

هذا المقطع الأخير من السورة - أو الدرس الأخير فيها - بقية في الأحكام النهائية في طبيعة العلاقات بين المجتمع المسلم وغيره تبدأ من تحديد العلاقة بين المسلم وربه،وتحديد طبيعة «الإسلام» الذي أعلنه ومن بيان تكاليف هذا الدين،ومنهج الحركة به في مجالاته الكثيرة.

إن الدخول في الإسلام صفقة بين متبايعين ..اللّه - سبحانه - فيها هو المشتري والمؤمن فيها هو البائع.

فهي بيعة مع اللّه لا يبقى بعدها للمؤمن شيء في نفسه ولا في ماله يحتجزه دون اللّه - سبحانه - ودون الجهاد في سبيله لتكون كلمة اللّه هي العليا،وليكون الدين كله للّه.فقد باع المؤمن للّه في تلك الصفقة نفسه وماله مقابل ثمن محدد معلوم،هو الجنة:وهو ثمن لا تعدله السلعة،ولكنه فضل اللّه ومنّه: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ،يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ،وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ.وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ؟ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ،وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» .

والذين باعوا هذه البيعة،وعقدوا هذه الصفقة هم صفوة مختارة،ذات صفات مميزة ..منها ما يختص بذوات أنفسهم في تعاملها المباشر مع اللّه في الشعور والشعائر ومنها ما يختص بتكاليف هذه البيعة في أعناقهم من العمل خارج ذواتهم لتحقيق دين اللّه في الأرض من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام على حدود اللّه في أنفسهم وفي سواهم: «التَّائِبُونَ،الْعابِدُونَ،الْحامِدُونَ،السَّائِحُونَ،الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ،الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ،وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ.وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» .

والآيات التالية في السياق تقطع ما بين المؤمنين الذين باعوا هذه البيعة وعقدوا هذه الصفقة،وبين كل من لم يدخلوا معهم فيها - ولو كانوا أولى قربى - فقد اختلفت الوجهتان،واختلف المصيران،فالذين عقدوا هذه الصفقة هم أصحاب الجنة،والذين لم يعقدوها هم أصحاب الجحيم.ولا لقاء في دنيا ولا في آخرة بين أصحاب الجنة وأصحاب الجحيم.وقربى الدم والنسب إذن لا تنشئ رابطة،ولا تصلح وشيجة بين أصحاب الجنة وأصحاب الجحيم: «ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ - وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى - مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ.وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ،فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ.إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ» ..

وولاء المؤمن يجب أن يتمحض للّه الذي عقد معه تلك الصفقة وعلى أساس هذا الولاء الموحد تقوم كل رابطة وكل وشيجة - وهذا بيان من اللّه للمؤمنين يحسم كل شبهة ويعصم من كل ضلالة - وحسب المؤمنين ولاية اللّه لهم ونصرته فهم بها في غنى عن كل ما عداه،وهو مالك الملك ولا قدرة لأحد سواه: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ،إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ،إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،يُحْيِي وَيُمِيتُ،وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت