فهرس الكتاب
ولما كانت هذه طبيعة تلك البيعة فقد كان التردد والتخلف عن الغزوة في سبيل اللّه أمرا عظيما،تجاوز اللّه عنه لمن علم من نواياهم الصدق والعزم بعد التردد والتخلف فتاب عليهم رحمة منه وفضلا: « لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ،مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ.وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ،وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ،وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا،إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» ..
ومن ثم بيان محدد لتكاليف البيعة في أعناق أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أولئك القريبون من رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - الذين يؤلفون القاعدة الإسلامية،ومركز الانطلاق الإسلامي واستنكار لما وقع منهم من تخلف مع بيان ثمن الصفقة في كل خطوة وكل حركة في تكاليف البيعة:
«ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ.ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ،وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ،إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ،وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً،وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ،لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» ..
ومع هذا التحضيض العميق على النفرة للجهاد بيان لحدود التكليف بالنفير العام.وقد اتسعت الرقعة وكثر العدد،وأصبح في الإمكان أن ينفر البعض ليقاتل ويتفقه في الدين ويبقى البعض للقيام بحاجات المجتمع كله من توفير للأزواد ومن عمارة للأرض،ثم تتلاقى الجهود في نهاية المطاف: «وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً.فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ،لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ،لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ!» [1] .
(1) - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ:"كَتَبَ اللَّهُ الْجِهَادَ عَلَى النَّاسِ غَزَوْا أَوْ قَعَدُوا،فَمَنْ قَعَدَ فَهُوَ عُدَّةٌ إِنِ اسْتُعِينَ بِهِ أَعَانَ،وَإِنِ اسْتُنْفِرَ نَفَرَ،وَإِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ قَعَدَ"قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:"وَأَحْسَبُ قَوْلَ الْأَوْزَاعِيِّ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ،وَأَمَّا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ،فَكَانَ يَقُولُ:"لَيْسَ بِفَرْضٍ وَلَكِنْ لَا يَسَعُ النَّاسَ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى تَرْكِهِ وَيُجْزِئُ فِيهِ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ"قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:"وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ عِنْدَنَا فِي الْجِهَادِ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ لَازِمٌ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقْضِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضٍ،وَإِنَّمَا وَسِعَهُمْ هَذَا لِلْآيَةِ الْأُخْرَى،قَوْلُهُ:وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً،فَإِنَّهَا فِيمَا يُقَالُ:نَاسِخَةٌ لِفَرْضِ الْجِهَادِ""
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ:فَانْفِرُوا ثَبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا وَفِي قَوْلِهِ:انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا قَالَ:"نَسَخَتْهَا:وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً الْآيَةَ،قَالَ:تَنْفِرُ طَائِفَةٌ وَتَمْكُثُ طَائِفَةٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ:فَالْمَاكِثُونَ هُمُ الَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ وَيُنْذِرُونَ إِخْوَانَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ مِنَ الْغَزْوِ بِمَا نَزَلَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَحُدُودِهِ"أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ:حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ،عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ،عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ:يَعْنِي"السَّرَايَا كَانَتْ تَرْجِعُ وَقَدْ نَزَلَ بَعْدَهُمْ قُرْآنٌ تَعَلَّمَهُ الْقَاعِدُونَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ،فَتَمْكُثُ السَّرَايَا يَتَعَلَّمُونَ مَا أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَهُمْ،وَتُبْعَثُ سَرَايَا أُخْرَى قَالَ:فَذَلِكَ قَوْلُهُ:لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ"،أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ:حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ،عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ،عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَ ذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:"فَلَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لَكَانَ الْجِهَادُ حَتْمًا وَاجِبًا عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَمَالِهِ كَسَائِرِ الْفَرَائِضِ،وَلَكِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ جَعَلَتْ لِلنَّاسِ الرُّخْصَةَ فِي قِيَامِ بَعْضِهِمْ بِذَلِكَ عَنْ بَعْضٍ،وَمَعَ هَذَا أَنَّا قَدْ وَجَدْنَا فِي الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ نَظَائِرَ لِلْجِهَادِ،مِنْهَا عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَحُضُورُ الْجَنَائِزِ وَرَدُّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ،فَهَذِهِ كُلُّهَا لَازِمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُومُ بِذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ،وَلَكِنَّ الْفَضِيلَةَ وَالتَّبْرِيزَ لِقَاضِيهَا دُونَ الْمَقْضِيِّ عَنْهُ،فَكَذَلِكَ الْجِهَادُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ،عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ كَانَ اشْتَرَطَ فِيهِ شَرْطًا حِينَ أَمَرَ بِهِ،فَجَعَلَهُ مَحْظُورًا فِي بَعْضِ الشُّهُورِ،فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ:إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينَ الْقَيِّمَ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ،وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ:يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ هُوَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الْقِتَالَ فِيهِ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ كَبِيرٌ،ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَسْخِ تَحْرِيمِهَا وَإِبَاحَةِ الْقِتَالِ فِيهَا"النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخِ لِلْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ ( 317 و318 ) -الاستنفار:الاستنجاد والاستنصار وطلب الخروج للقتال والجهاد