إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.قَالَ عَلْقَمَةُ:انْظُرْ وَيْحَكَ مَاذَا تَقُولُ،وَمَاذَا تَكَلَّمُ بِهِ،فَرُبَّ كَلاَمٌ قَدْ مَنَعَنِي مَا سَمِعْتُهُ مِنْ بِلاَلِ بْنِ الْحَارِثِ. [1]
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } قال:يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله:"أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت"، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقى سائره، وذلك قوله: { يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } [ الرعد:39 ] ، وذكر عن الإمام أحمد أنه كان يئن في مرضه، فبلغه عن طاوس أنه قال:يكتب الملك كل شيء حتى الأنين.فلم يئن أحمد حتى مات رحمه الله" [2] "
وعن قتاده، قال:تلا الحسن ( عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ) قال:فقال:يا ابن آدم بُسِطت لك صحيفة، ووكل بك ملَكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك; فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك ; وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، فاعمل بما شئت أقلل أو أكثر، حتى إذا متّ طويت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوما القيامة، فعند ذلك يقول ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) ...حتى بلغ ( حَسِيبا ) عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. [3]
وهكذا كان أولئك الرجال يتلقون هذه الحقيقة فيعيشون بها في يقين.
تلك صفحة الحياة،ووراءها في كتاب الإنسان صفحة الاحتظار: «وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ.ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ» ..والموت أشد ما يحاول المخلوق البشري أن يروغ منه،أو يبعد شبحه عن خاطره.ولكن أنى له ذلك:والموت طالب لا يمل الطلب،ولا يبطىء الخطى،ولا يخلف الميعاد وذكر سكرة الموت كفيل برجفة تدب في الأوصال!
وبينما المشهد معروض يسمع الإنسان: «ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ» .وإنه ليرجف لصداها وهو بعد في عالم الحياة! فكيف به حين تقال له وهو يعاني السكرات!
(1) - صحيح ابن حبان [1 /514] (280) صحيح
(2) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [7 /399]
وقال ابن كثير:"وقد اختلف العلماء:هل يكتب الملك كل شيء من الكلام؟ وهو قول الحسن وقتادة، أو إنما يكتب ما فيه ثواب وعقاب كما هو قول ابن عباس، على قولين، وظاهر الآية الأول، لعموم قوله: { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } تفسير ابن كثير - دار طيبة [7 /398] "
(3) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [22 /345] صحيح