أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25)
« حم.وَالْكِتابِ الْمُبِينِ.إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ.أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ؟ وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ.وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا،وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ» ..
تبدأ السورة بالحرفين: «حا.ميم» ثم يعطف عليهما قوله: «وَالْكِتابِ الْمُبِينِ» ..ويقسم اللّه - سبحانه - بحاميم كما يقسم بالكتاب المبين.وحاميم من جنس الكتاب المبين،أو الكتاب المبين من جنس حا ميم.فهذا الكتاب المبين في صورته اللفظية من جنس هذين الحرفين.وهذان الحرفان - كبقية الأحرف في لسان البشر - آية من آيات الخالق،الذي صنع البشر هذا الصنع،وجعل لهم هذه الأصوات.فهناك أكثر من معنى وأكثر من دلالة في ذكر هذه الأحرف عند الحديث عن القرآن.
يقسم اللّه - سبحانه - بحا ميم والكتاب المبين،على الغاية من جعل هذا القرآن في صورته هذه التي جاء بها للعرب: «إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» ..
فالغاية هي أن يعقلوه حين يجدونه بلغتهم وبلسانهم الذي يعرفون.والقرآن وحي اللّه - سبحانه وتعالى - جعله في صورته هذه اللفظية عربيا،حين اختار العرب لحمل هذه الرسالة،للحكمة التي أشرنا إلى طرف منها في سورة الشورى ولما يعلمه من صلاحية هذه الأمة وهذا اللسان لحمل هذه الرسالة ونقلها.واللّه أعلم حيث يجعل رسالته.
ثم يبين منزلة هذا القرآن عنده وقيمته في تقديره الأزلي الباقي: «وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ» ..ولا ندخل في البحث عن المدلول الحرفي لأم الكتاب ما هي:أهي اللوح المحفوظ،أم هي علم اللّه الأزلي.فهذا كهذا ليس له مدلول حرفي محدد في إدراكنا.ولكننا ندرك منه مفهوما يساعد على تصورنا لحقيقة كلية.
وحين نقرأ هذه الآية: «وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ» ..فإننا نستشعر القيمة الأصيلة الثابتة لهذا القرآن في علم اللّه وتقديره.وهذا حسبنا.فهذا القرآن «عليّ» .. «حكيم» ..وهما صفتان تخلعان عليه ظل الحياة العاقلة.وإنه لكذلك! وكأنما فيه روح.روح ذات سمات وخصائص،تتجاوب مع الأرواح التي تلامسها.
وهو في علوه وفي حكمته يشرف على البشرية ويهديها ويقودها وفق طبيعته وخصائصه.وينشئ في مداركها وفي حياتها تلك القيم والتصورات والحقائق التي تنطبق عليها هاتان الصفتان:علي.حكيم.