فهرس الكتاب
المنكر لا بد أن يدرك وفق مقتضى الواقع.فلا يبدأ بالمعروف الفرعي والمنكر الفرعي قبل الانتهاء من المعروف الأكبر والمنكر الأكبر،كما وقع أول مرة عند نشأة المجتمع المسلم! «وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ» ..وهو القيام على حدود اللّه لتنفيذها في النفس وفي الناس.ومقاومة من يضيعها أو يعتدي عليها ..ولكن هذه كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،لا يقام عليها إلا في مجتمع مسلم.
ولا مجتمع مسلم إلا المجتمع الذي تحكمه شريعة اللّه وحدها في أمره كله وإلا الذي يفرد اللّه سبحانه بالألوهية والربوبية والحاكمية والتشريع ويرفض حكم الطاغوت المتمثل في كل شرع لم يأذن به اللّه ..والجهد كله يجب أن ينفق ابتداء لإقامة هذا المجتمع.ومتى قام كان هناك مكان للحافظين لحدود اللّه فيه ..كما وقع كذلك أول مرة عند نشأة المجتمع المسلم!
هذه هي الجماعة المؤمنة التي عقد اللّه معها بيعته.وهذه هي صفاتها ومميزاتها:توبة ترد العبد إلى اللّه،وتكفه عن الذنب،وتدفعه إلى العمل الصالح.وعبادة تصله باللّه وتجعل اللّه معبوده وغايته ووجهته.وحمد للّه على السراء والضراء نتيجة الاستسلام الكامل للّه والثقة المطلقة برحمته وعدله.وسياحة في ملكوت اللّه مع آيات اللّه الناطقة في الكون الدالة على الحكمة والحق في تصميم الخلق.وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر يتجاوز صلاح الذات إلى إصلاح العباد والحياة.وحفظ لحدود اللّه يرد عنها العادين والمضيعين،ويصونها من التهجم والانتهاك ..
هذه هي الجماعة المؤمنة التي بايعها اللّه على الجنة،واشترى منها الأنفس والأموال،لتمضي مع سنة اللّه الجارية منذ كان دين اللّه ورسله ورسالاته.قتال في سبيل اللّه لإعلاء كلمة اللّه وقتل لأعداء اللّه الذين يحادّون اللّه أو استشهاد في المعركة التي لا تفتر بين الحق والباطل،وبين الإسلام والجاهلية،وبين الشريعة والطاغوت،وبين الهدى والضلال.
وليست الحياة لهوا ولعبا.وليست الحياة أكلا كما تأكل الأنعام ومتاعا.وليست الحياة سلامة ذليلة،وراحة بليدة ورضى بالسلم الرخيصة ..إنما الحياة هي هذه:كفاح في سبيل الحق،وجهاد في سبيل الخير،وانتصار لإعلاء كلمة اللّه،أو استشهاد كذلك في سبيل اللّه ..ثم الجنة والرضوان ..
هذه هي الحياة التي يدعى إليها المؤمنون باللّه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ» ...وصدق اللّه.وصدق رسول اللّه ..
والمؤمنون الذين اشترى اللّه منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة،أمة وحدهم،العقيدة في اللّه بينهم هي وشيجة الارتباط والتجمع الوحيدة.وهذه السورة التي تقرر العلاقات الأخيرة بين الجماعة المسلمة ومن عداها،تحسم في شأن العلاقات التي لا تقوم على هذه الوشيجة.وبخاصة بعد ذلك التخلخل الذي أنشاه التوسع الأفقي الشديد في المجتمع المسلم عقب فتح مكة،ودخول أفواج كثيرة في الإسلام لم يتم انطباعها بطابعه وما تزال علاقات القربى عميقة الجذور في حياتها.والآيات التالية تقطع ما بين المؤمنين