فهرس الكتاب

الصفحة 2326 من 4997

الذين باعوا تلك البيعة وبين من لم يدخلوا معهم فيها - ولو كانوا أولي قربى - بعد ما اختلفت الوجهتان واختلفت العاقبتان في الدنيا والآخرة: «ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ - وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى - مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ.وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ،فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ،إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ.وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ،إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،يُحْيِي وَيُمِيتُ،وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ» .

والظاهر أن بعض المسلمين كانوا يستغفرون لآبائهم المشركين ويطلبون إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يستغفر لهم فنزلت الآيات تقرر أن في هذا الاستغفار بقية من تعلق بقرابات الدم،في غير صلة باللّه،لذلك ما كان للنبي والذين آمنوا أن يفعلوه ..ما كان لهم قطعا وليس من شأنهم أصلا ..أما كيف يتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم،فالأرجح أن يكون ذلك بموتهم على الشرك،وانقطاع الرجاء من أن تكون لهم هداية إلى الإيمان.

إن العقيدة هي العروة الكبرى التي تلتقي فيها سائر الأواصر البشرية والعلاقات الإنسانية.فإذا انبتّت وشيجة العقيدة انبتّت الأواصر الأخرى من جذورها،فلا لقاء بعد ذلك في نسب،ولا لقاء بعد ذلك في صهر.ولا لقاء بعد ذلك في قوم.ولا لقاء بعد ذلك في أرض ..إما إيمان باللّه فالوشيجة الكبرى موصولة،والوشائج الأخرى كلها تنبع منها وتلتقي بها.أو لا إيمان فلا صلة إذن يمكن أن تقوم بين إنسان وإنسان [1] : «وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ،فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ،إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ» .

فلا أسوة بإبراهيم في استغفاره لأبيه.فإنما كان استغفار إبراهيم لأبيه بسبب وعده له أن يستغفر له اللّه لعله يهديه،ذلك إذ قال له: «سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا،وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا» ..فلما أن مات أبوه على الشرك،وتبين إبراهيم أن أباه عدو للّه لا رجاء في هداه، «تبرأ منه» وقطع صلته به.

«إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ» ..كثير التضرع للّه،حليم على من آذاه.ولقد آذاه أبوه فكان حليما وتبين أنه عدو للّه فتبرأ منه وعاد للّه ضارعا.

وقد ورد أنه لما نزلت الآيتان خشي الذين كانوا يستغفرون لآبائهم المشركين أن يكونوا قد ضلوا لمخالفتهم عن أمر اللّه في هذا فنزلت الآية التالية تطمئنهم من هذا الجانب،وتقرر القاعدة الإسلامية:أنه لا عقوبة بغير نص ولا جريمة بغير بيان سابق على الفعل: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ.إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ..

(1) - يراجع فصل: «جنسية المسلم عقيدته» في كتاب: «معالم في الطريق» . «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت