وهذا وهم عجيب وانحراف في التفكير غريب.فإن الاهتداء إلى تفسير القانون - على فرض صحته والنظريات الفلكية ليست سوى فروض مدروسة لتفسير الظواهر الكونية تصح أو لا تصح،وتثبت اليوم وتبطل غدا بفرض جديد - لا ينفي وجود واضع القانون.وأثره في إعمال هذا القانون ..
واللّه سبحانه «يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ» بفعل ذلك الناموس الذي يعمل فيها وهو من صنعه. «إِلَّا بِإِذْنِهِ» وذلك يوم يعطل الناموس الذي يعمله لحكمة ويعطله كذلك لحكمة.
وينتهي السياق في استعراض دلائل القدرة ودقة الناموس بالانتقال من الكون إلى النفس وعرض سنن الحياة والموت في عالم الإنسان: «وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ،ثُمَّ يُمِيتُكُمْ،ثُمَّ يُحْيِيكُمْ،إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ» ..
والحياة الأولى معجزة،تتجدد في كل حياة تنشأ آناء الليل وأطراف النهار.وسرها اللطيف ما يزال غيبا يحار العقل البشري في تصور كنهه ..وفيه مجال فسيح للتأمل والتدبر ..
والموت سر آخر يعجز العقل البشري عن تصور كنهه،وهو يتم في لحظة خاطفة،والمسافة بين طبيعة الموت وطبيعة الحياة مسافة عريضة ضخمة ..وفيه مجال فسيح للتأمل والتدبر ..
والحياة بعد الموت - وهي غيب من الغيب،ولكن دليله حاضر من النشأة الأولى ..وفيه مجال كذلك للتأمل والتدبر ..ولكن هذا الإنسان لا يتأمل ولا يتدبر هذه الدلائل والأسرار: «إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ» ..
والسياق يستعرض هذه الدلائل كلها،ويوجه القلوب إليها في معرض التوكيد لنصرة اللّه لمن يقع عليه البغي وهو يرد عن نفسه العدوان.وذلك على طريقة القرآن في استخدام المشاهد الكونية لاستجاشة القلوب،وفي ربط سنن الحق والعدل في الخلق بسنن الكون ونواميس الوجود ..
الدرس الخامس:67 - 72 تثبيت الرسول على دعوته وعدم التفاته للمشركين وعداوة المشركين للحق
وحين يصل السياق إلى هذا المقطع الفاصل من عرض دلائل القدرة في مشاهد الكون الكبرى يتوجه بالخطاب إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ليمضي في طريقه،غير ملتفت إلى المشركين وجدالهم له فلا يمكنهم من نزاعه في منهجه الذي اختاره اللّه له،وكلفه تبليغه وسلوكه: « لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ،فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ،وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ.وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ:اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ.اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ؟ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ.إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» ..
إن لكل أمة منهجا وطريقة في الحياة والتفكير والسلوك والاعتقاد.هذا المنهج خاضع لسنن اللّه في تصريف الطبائع والقلوب وفق المؤثرات والاستجابات.وهي سنن ثابتة مطردة دقيقة.فالأمة التي تفتح