كذبوا بآيات اللّه التي جاءهم بها الرسل - وهي شرع اللّه المستيقن - وآثروا الظن والخرص على اليقين والعلم. وقد نالوا نصيبهم من متاع الدنيا الذي كتب لهم،ومن فترة الابتلاء التي قدرها اللّه،كما نالوا نصيبهم من آيات اللّه التي أرسل بها رسله وأبلغهم الرسل نصيبهم من الكتاب:
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (37) قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ (38) } سورة الأعراف..
ها نحن أولاء أمام مشهد هؤلاء الذين افتروا على اللّه كذبا أو كذبوا بآياته وقد جاءتهم رسل ربهم من الملائكة يتوفونهم،ويقبضون أرواحهم. فدار بين هؤلاء وهؤلاء حوار: «قالُوا:أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟» ..أين دعاويكم التي افتريتم على اللّه؟ وأين آلهتكم التي توليتم في الدنيا،وفتنتم بها عما جاءكم من اللّه على لسان الرسل؟ أين هي الآن في اللحظة الحاسمة التي تسلب منكم فيها الحياة فلا تجدون لكم عاصما من الموت يؤخركم ساعة عن الميقات الذي أجله اللّه؟
ويكون الجواب هو الجواب الوحيد،الذي لا معدى عنه،ولا مغالطة فيه: « قالُوا:ضَلُّوا عَنَّا» ! غابوا عنا وتاهوا! فلا نحن نعرف لهم مقرا،ولا هم يسلكون إلينا طريقا! .. فما أضيع عبادا لا تهتدي إليهم آلهتهم،ولا تسعفهم في مثل هذه اللحظة الحاسمة! وما أخيب آلهة لا تهتدي إلى عبادها. في مثل هذا الأوان! «وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ» ..وكذلك شهدناهم من قبل في سياق السورة عند ما جاءهم بأس اللّه في الدنيا: «فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا:إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» !
فإذا انتهى مشهد الاحتضار،فنحن أمام المشهد التالي،وهؤلاء المحتضرون في النار! .. ويسكت السياق عما بينهما،ويسقط الفترة بين الموت والبعث والحشر. وكأنما يؤخذ هؤلاء المحتضرون من الدار إلى النار! «قالَ:ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ،كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها،حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ:رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ. قالَ:لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ. وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ،فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ» .
«ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ» . انضموا إلى زملائكم وأوليائكم من الجن والإنس .. هنا في النار .. أليس إبليس هو الذي عصى ربه؟
وهو الذي أخرج آدم من الجنة وزوجه؟ وهو الذي أغوى من أغوى من أبنائه؟ وهو الذي أوعده اللّه أن يكون هو ومن أغواهم في النار؟ .. فادخلوا إذن جميعا .. ادخلوا سابقين ولاحقين .. فكلكم