فهرس الكتاب

الصفحة 1735 من 4997

أولياء .. وكلكم سواء! ولقد كانت هذه الأمم والجماعات والفرق في الدنيا من الولاء بحيث يتبع آخرها أولها ويملي متبوعها لتابعها .. فلتنظر اليوم كيف تكون الأحقاد بينها،وكيف يكون التنابز فيها: «كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها» ! فما أبأسها نهاية تلك التي يلعن فيها الابن أباه ويتنكر فيها الولي لمولاه! «حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعًا» ..

وتلاحق آخرهم وأولهم،واجتمع قاصيهم بدانيهم،بدأ الخصام والجدال: «قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ:رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا،فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ» ..

وهكذا تبدأ مهزلتهم أو مأساتهم! ويكشف المشهد عن الأصفياء والأولياء،وهم متناكرون أعداء يتهم بعضهم بعضا،ويلعن بعضهم بعضا،ويطلب له من «ربنا» شر الجزاء .. من «ربنا» الذي كانوا يفترون عليه ويكذبون بآياته وهم اليوم ينيبون إليه وحده ويتوجهون إليه بالدعاء! فيكون الجواب استجابة للدعاء.

ولكن أية استجابة؟! «قالَ:لِكُلٍّ ضِعْفٌ،وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ» .لكم ولهم جميعا ما طلبتم من مضاعفة العذاب! وكأنما شمت المدعو عليهم بالداعين،حينما سمعوا جواب الدعاء،فإذا هم يتوجهون إليهم بالشماتة ..كلنا سواء .. في هذا الجزاء: «وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ:فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ. فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ» ! وبهذا ينتهي ذلك المشهد الساخر الأليم،ليتبعه تقرير وتوكيد لهذا المصير الذي لن يتبدل - وذلك قبل عرض المشهد المقابل للمؤمنين في دار النعيم:

« إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ،وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ،وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ. لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ،وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ» ..

ودونك فقف بتصورك ما تشاء أمام هذا المشهد العجيب .. مشهد الجمل تجاه ثقب الإبرة. فحين يفتح ذلك الثقب الصغير لمرور الجمل الكبير،فانتظر حينئذ - وحينئذ فقط - أن تفتح أبواب السماء لهؤلاء المكذبين،فتقبل دعاءهم أو توبتهم - وقد فات الأوان - وأن يدخلوا إلى جنات النعيم! أما الآن،وإلى أن يلج الجمل في سم الخياط،فهم هنا في النار،التي تداركوا فيها جميعا وتلاحقوا وتلاوموا فيها وتلاعنوا،وطلب بعضهم لبعض سوء الجزاء،ونالوا جميعا ما طلبه الأولياء للأولياء! «وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ» ..ثم إليك هيئتهم في النار: «لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ،وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ» ..فلهم من نار جهنم من تحتهم فراش،يدعوه - للسخرية - مهادا،وما هو مهد ولا لين ولا مريح! - ولهم من نار جهنم أغطية تغشاهم من فوقهم! «وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ» ..

والظالمون هم المجرمون. والظالمون هم المشركون المكذبون بآيات اللّه،المفترون الكذب على اللّه .. كلها أوصاف مترادفة في تعبير القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت