فهرس الكتاب

الصفحة 2181 من 4997

فمن انفعال الإعجاب بالكثرة،إلى زلزلة الهزيمة الروحية،إلى انفعال الضيق والحرج حتى لكأن الأرض كلها تضيق بهم وتشد عليهم.إلى حركة الهزيمة الحسية،وتولية الأدبار والنكوص على الأعقاب ..

«ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ» ..وكأنما السكينة رداء ينزل فيثبت القلوب الطائرة ويهدئ الانفعالات الثائرة. «وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها» ..فلا نعلم ماهيتها وطبيعتها ..وما يعلم جنود ربك إلا هو .. «وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا» .بالقتل والأسر والسلب والهزيمة: «وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ» .. « ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ،وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..

فباب المغفرة دائما مفتوح لمن يخطئ ثم يتوب.

إن معركة حنين التي يذكرها السياق هنا ليعرض نتائج الانشغال عن اللّه،والاعتماد على قوة غير قوته،لتكشف لنا عن حقيقة أخرى ضمنية.حقيقة القوى التي تعتمد عليها كل عقيدة.إن الكثرة العددية ليست بشيء،إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة.وإن الكثرة لتكون أحيانا سببا في الهزيمة،لأن بعض الداخلين فيها،التائهين في غمارها،ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها،تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة فيشيعون الاضطراب والهزيمة في الصفوف،فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في توثيق صلتهم باللّه،انشغالا بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة.

لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة،لا بالزبد الذي يذهب جفاء،ولا بالهشيم الذي تذروه الرياح!

الدرس السابع:28 نجاسة المشركين وحرمانهم من البيت الحرام

وعند ما يبلغ السياق إلى هذا المقطع،ويلمس وجدان المسلمين بالذكرى القريبة من التاريخ،ينهي القول في شأن المشركين.ويلقي الكلمة الباقية فيهم إلى يوم الدين: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ.إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» ..

إنما المشركون نجس.يجسم التعبير نجاسة أرواحهم فيجعلها ماهيتهم وكيانهم.فهم بكليتهم وبحقيقتهم نجس،يستقذره الحس،ويتطهر منه المتطهرون! وهو النجس المعنوي لا الحسي في الحقيقة،فأجسامهم ليست نجسة بذاتها.إنما هي طريقة التعبير القرآنية بالتجسيم [1] .

«نَجَسٌ.فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا» ..وتلك غاية في تحريم وجودهم بالمسجد الحرام،حتى لينصبّ النهي على مجرد القرب منه،ويعلل بأنهم نجس وهو الطهور! ولكن الموسم الاقتصادي الذي ينتظره أهل مكة والتجارة التي يعيش عليها معظم الظاهرين في الجزيرة ورحلة الشتاء والصيف التي تكاد تقوم عليها الحياة ...إنها كلها ستتعرض للضياع بمنع المشركين من الحج وبإعلان

(1) - يراجع فصل «التخييل الحسي والتجسيم» في كتاب: «التصوير الفني في القرآن» . «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت