إن الإعجاز في صياغة آيات التشريع هنا لهو الإعجاز في صياغة آيات الإيحاء والتوجيه.بل هو أوضح وأقوى.لأن الغرض هنا دقيق يحرفه لفظ واحد،ولا ينوب فيه لفظ عن لفظ.ولولا الإعجاز ما حقق الدقة التشريعية المطلقة والجمال الفني المطلق على هذا النحو الفريد.
ذلك كله فوق سبق التشريع الإسلامي بهذه المبادئ للتشريع المدني والتجاري بحوالي عشرة قرون،كما يعترف الفقهاء المحدثون!
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ» ..هذا هو المبدأ العام الذي يريد تقريره.فالكتابة أمر مفروض بالنص،غير متروك للاختيار في حالة الدين إلى أجل.لحكمة سيأتي بيانها في نهاية النص.
«وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ» ..وهذا تعيين للشخص الذي يقوم بكتابة الدين فهو كاتب.وليس أحد المتعاقدين.وحكمة استدعاء ثالث - ليس أحد الطرفين في التعاقد - هي الاحتياط والحيدة المطلقة.وهذا الكاتب مأمور أن يكتب بالعدل،فلا يميل مع أحد الطرفين،ولا ينقص أو يزيد في النصوص ..
«وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ» ..فالتكليف هنا من اللّه - بالقياس إلى الكاتب - كي لا يتأخر ولا يأبى ولا يثقل العمل على نفسه،فتلك فريضة من اللّه بنص التشريع،حسابه فيها على اللّه.وهي وفاء لفضل اللّه عليه إذ علمه كيف يكتب ..«فَلْيَكْتُبْ كما علمه اللّه.
وهنا يكون الشارع قد انتهى من تقرير مبدأ الكتابة في الدين إلى أجل.ومن تعيين من يتولى الكتابة.ومن تكليفه بأن يكتب.ومع التكليف ذلك التذكير اللطيف بنعمة اللّه عليه،وذلك الإيحاء بأن يلتزم العدل ..
وهنا ينتقل إلى فقرة تالية يبين فيها كيف يكتب .. «وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ.وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا.فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ» ..إن المدين - الذي عليه الحق - هو الذي يملي على الكاتب اعترافه بالدين،ومقدار الدين،وشرطه وأجله ..
ذلك خيفة أن يقع الغبن على المدين لو أملى الدائن،فزاد في الدين،أو قرب الأجل،أو ذكر شروطا معينة في مصلحته.والمدين في موقف ضعيف قد لا يملك معه إعلان المعارضة رغبة في إتمام الصفقة لحاجته إليها،فيقع عليه الغبن.فإذا كان المدين هو الذي يملي لم يمل إلا ما يريد الارتباط به عن طيب خاطر.ثم ليكون إقراره بالدين أقوى وأثبت،وهو الذي يملي ..وفي الوقت ذاته يناشد ضمير المدين - وهو يملي - أن يتقي اللّه ربه ولا يبخس شيئا من الدين الذي يقر به ولا من سائر أركان الإقرار الأخرى ..فإن كان المدين سفيها لا يحسن تدبير أموره.أو ضعيفا - أي صغيرا أو ضعيف العقل - أو