بالجاهليات كلها ..جاهليات ما قبل التاريخ،وجاهليات التاريخ.وجاهلية القرن العشرين.وكل جاهلية تقوم على أساس من عبادة العباد للعباد» [1] .
يقول السيد رحمه الله:"وفي أحداث المعركة التي تصورها القصة بين الإنسان والشيطان مذكر دائم بطبيعة المعركة. إنها بين عهد اللّه وغواية الشيطان بين الإيمان والكفر. بين الحق والباطل. بين الهدى والضلال .. والإنسان هو نفسه ميدان المعركة. وهو نفسه الكاسب أو الخاسر فيها. وفي هذا إيحاء دائم له باليقظة وتوجيه دائم له بأنه جندي في ميدان وأنه هو صاحب الغنيمة أو السلب في هذا الميدان! [2] "
وقال رحمه الله:تعقيبا على قصة السحرة وإيمانهم:"ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ ."
نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين،رب موسى وهارون،يمثل خطرا على نظام ملكهم وحكمهم لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان،مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان .. وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل .. ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها .. إنه لا يجتمع في قلب واحد،ولا في بلد واحد،ولا في نظام حكم واحد،أن يكون اللّه رب العالمين،وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد،يباشره بتشريع من عنده وقوانين .. فهذا دين وذلك دين ..
ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة - بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم،وجعل لهم فرقانا في تصورهم - أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة وأنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين.
فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون ... أو بتعبير آخر مرادف:من ربوبية فرعون،ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله .. وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروري لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية اللّه وحده. فهو وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله .. إنهم يقدمون على الموت مستهينين ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين وأن عدوهم على دين غير دينهم لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين .. فهو إذن من الكافرين .. وما يمكن
(1) - في ظلال القرآن - دار الشروق ـ القاهرة [4 /1938]
(2) - في ظلال القرآن - دار الشروق ـ القاهرة [1 /61]