«فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا» ..وما فيها من متاع ولهو ومشغلة فهي مهلة محدودة وهي ابتلاء واستحقاق للجزاء.
«وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ» ..من متاع يلهي،أو شغل ينسي،أو شيطان يوسوس في الصدور.والشياطين كثير.الغرور بالمال شيطان.والغرور بالعلم شيطان.والغرور بالعمر شيطان.والغرور بالقوة شيطان.والغرور بالسلطان شيطان.ودفعة الهوى شيطان.ونزوة الشهوة شيطان.وتقوى اللّه وتصور الآخرة هما العاصم من كل غرور!
وفي ختام الجولة الرابعة وختام السورة،وفي ظل هذا المشهد المرهوب يجيء الإيقاع الأخير في السورة قويا عميقا مرهوبا،يصور علم اللّه الشامل وقصور الإنسان المحجوب عن الغيوب.ويقرر القضية التي تعالجها السورة بكل أجزائها،ويخرج هذا كله في مشهد من مشاهد التصوير القرآني العجيب.
«إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ،وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ،وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ،وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا،وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ.إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» ..
واللّه - سبحانه - قد جعل الساعة غيبا لا يعلمه سواه ليبقى الناس على حذر دائم،وتوقع دائم،ومحاولة دائمة أن يقدموا لها،وهم لا يعلمون متى تأتي،فقد تأتيهم بغتة في أية لحظة،ولا مجال للتأجيل في اتخاذ الزاد،وكنز الرصيد.
واللّه ينزل الغيث وفق حكمته،بالقدر الذي يريده وقد يعرف الناس بالتجارب والمقاييس قرب نزوله ولكنهم لا يقدرون على خلق الأسباب التي تنشئه.والنص يقرر أن اللّه هو الذي ينزل الغيث،لأنه سبحانه هو المنشئ للأسباب الكونية التي تكونه والتي تنظمه.فاختصاص اللّه في الغيث هو اختصاص القدرة.كما هو ظاهر من النص.وقد وهم الذين عدوه في الغيبيات المختصة بعلم اللّه.وإن كان علم اللّه وحده هو العلم في كل أمر وشأن.فهو وحده العلم الصحيح الكامل الشامل الدائم الذي لا يلحق به زيادة ولا نقصان.
«وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ» ..اختصاص بالعلم كالاختصاص في أمر «السَّاعَةِ» فهو سبحانه الذي يعلم وحده.علم يقين.ماذا في الأرحام في كل لحظة وفي كل طور.من فيض وغيض.ومن حمل حتى حين لا يكون للحمل حجم ولا جرم.ونوع هذا الحمل ذكرا أم أنثى،حين لا يملك أحد أن يعرف عن ذلك شيئا في اللحظة الأولى لاتحاد الخلية والبويضة.وملامح الجنين وخواصه وحالته واستعداداته ..فكل أولئك مما يختص به علم اللّه تعالى.
« وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا» ..ماذا تكسب من خير وشر،ومن نفع وضر،ومن يسر وعسر،ومن صحة ومرض،ومن طاعة ومعصية.فالكسب أعم من الربح المالي وما في معناه وهو كل ما