فهرس الكتاب

الصفحة 3514 من 4997

ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» ..صبار في الضراء،شكور في السراء وهما الحالتان اللتان تتعاوران الإنسان.ولكن الناس لا يصبرون،ولا يشكرون،إنما يصيبهم الضر فيجأرون،وينجيهم اللّه من الضر فلا يشكر منهم إلا القليل: «وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» ..فأمام مثل هذا الخطر،والموج يغشاهم كالظلل والفلك كالريشة الحائرة في الخضم الهائل ..تتعرى النفوس من القوة الخادعة،وتتجرد من القدرة الموهومة،التي تحجب عنها في ساعات الرضاء حقيقة فطرتها،وتقطع ما بين هذه الفطرة وخالقها.حتى إذا سقطت هذه الحوائل،وتعرت الفطرة من كل ستار،استقامت إلى ربها،واتجهت إلى بارئها،وأخلصت له الدين،ونفت كل شريك،ونبذت كل دخيل.ودعوا اللّه مخلصين له الدين.

«فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ» ..لا يجرفه الأمن والرخاء إلى النسيان والاستهتار إنما يظل ذاكرا شاكرا،وإن لم يوف حق اللّه في الذكر والشكر فأقصى ما يبلغه ذاكر شاكر أن يكون مقتصدا في الأداء.ومنهم من يجحد وينكر آيات اللّه بمجرد زوال الخطر وعودة الرخاء: «وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ» ..والختار الشديد الغدر،والكفور الشديد الكفر وهذه المبالغة الوصفية تليق هنا بمن يجحد آيات اللّه بعد هذه المشاهد الكونية،ومنطق الفطرة الخالص الواضح المبين.

وبمناسبة هول البحر وخطره الذي يعري النفوس من غرور القوة والعلم والقدرة،ويسقط عنها هذه الحواجز الباطلة،ويقفها وجها لوجه أمام منطق الفطرة ..بمناسبة هذا الهول يذكرهم بالهول الأكبر.

الذي يبدو هول البحر في ظله صغيرا هزيلا.هول اليوم الذي يقطع أو أصر الرحم والنسب،ويشغل الوالد عن الولد،ويحول بين المولود والوالد،وتقف كل نفس فيه وحيدة فريدة،مجردة من كل عون ومن كل سند،موحشة من كل قربى ومن كل وشيجة: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ،وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ،وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا.إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ،فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا،وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ» ..

إن الهول هنا هول نفسي،يقاس بمداه في المشاعر والقلوب [1] .وما تتقطع أو أصر القربى والدم،ووشائج الرحم والنسب بين الوالد ومن ولد،وبين المولود والوالد.وما يستقل كل بشأنه،فلا يجزى أحد عن أحد،ولا ينفع أحدا إلا عمله وكسبه.ما يكون هذا كله إلا لهول لا نظير له في مألوف الناس ..فالدعوة هنا إلى تقوى اللّه تجيء في موضعها الذي فيه تستجاب وقضية الآخرة تعرض في ظلال هذا الهول الغامر فتسمع لها القلوب.

«إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ» ..فلا يخلف ولا يتخلف ولا مفر من مواجهة هذا الهول العصيب.ولا مفر من الحساب الدقيق والجزاء العادل،الذي لا يغني فيه والد عن ولد ولا مولود عن والد.

(1) - يراجع فصل العالم الآخر في القرآن «في كتاب:مشاهد القيامة في القرآن» ص 42-44. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت