فهرس الكتاب
ومن ثم يقدمه في التعبير بوصفه أيسر شيء كان يملكه أحد لنفسه! ثم يرتقي إلى الخصائص التي لا يقدر عليها إلا اللّه: «وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَياةً وَلا نُشُورًا» فلا إماتة حي،ولا إنشاء حياة،ولا إعادتها داخل في مقدورهم.فماذا لهم بعد ذلك من خصائص الألوهية،وما شبهة أولئك المشركين في اتخاذهم آلهة؟!.
ألا إنه الانحراف المطلق،الذي لا يستغرب معه أن يدعوا على الرسول بعد ذلك ما يدعون،فدعواهم على اللّه أضخم وأقبح من كل ما يدعون على رسوله.وهل أقبح من ادعاء إنسان على اللّه وهو خالقه وخالق كل شيء، ومدبر أمره ومقدر كل شيء.هل أقبح من ادعاء إنسان أن للّه شريكا؟ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ « أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا،وَهْوَ خَلَقَكَ » .قَالَ ثُمَّ أَىٌّ قَالَ « ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ،أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ » .قَالَ ثُمَّ أَىٌّ قَالَ « ثُمَّ أَنْ تُزَانِىَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ » .فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَصْدِيقَهَا ( وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ) الآيَةَ [1] .
وبعد عرض هذا التطاول على مقام الخالق جل وعلا،يعرض تطاولهم على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ويرد عليه عقب عرضه بما يظهر سخفه وكذبه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6) } [الفرقان:4 - 6] ...
وأكذب شيء أن يقول كفار قريش هذه المقالة،وهم يوقنون في أنفسهم أنها الفرية التي لا تقوم على أساس.فما يمكن أن يخفى على كبرائهم الذين يلقنونهم هذا القول أن القرآن الذي يتلوه عليهم محمد - صلى الله عليه وسلم - شيء آخر غير كلام البشر وهم كانوا يحسون هذا بذوقهم في الكلام وكانوا لا يملكون أنفسهم من التأثر بالقرآن.ثم هم كانوا يعلمون عن محمد قبل البعثة أنه الصادق الأمين الذي لا يكذب ولا يخون.فكيف به يكذب على اللّه وينسب إليه قولا لم يقله؟
ولكنه العناد والخوف على مراكزهم الاجتماعية المستمدة من سيادتهم الدينية،كان يجنح بهم إلى هذه المناورات يطلقونها في وسط جمهور العرب،الذين قد لا يميزون بين الكلام،ولا يعرفون درجته: «إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ» .قيل:إنهم عبيد أعاجم ثلاثة أو أكثر،هم الذين كانوا يعنونهم بهذه المقالة.وهو كلام متهافت تافه لا يقف للجدل.فإن كان بشر يملك أن يفتري مثل هذا القرآن بمعاونة قوم آخرين،فما يمسكهم هم عن الإتيان بمثله،مستعينين بأقوام منهم،ليبطلوا حجة محمد
(1) - صحيح البخارى- المكنز [22 /423] ( 6861)