السفع والصرع: «ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ» ! وإنها للحظة سفع وصرع.فقد يخطر له أن يدعو من يعتز بهم من أهله وصحبه: «فَلْيَدْعُ نادِيَهُ» أما نحن فإننا «سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ» الشداد الغلاظ ..والمعركة إذن معروفة المصير!
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ:قَالَ أَبُو جَهْلٍ:هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ،فَبِالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ،فَأَتَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُصَلِّي لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ.قَالَ:فَمَا فَجَأَهُمْ إِلاَّ أَنَّهُ يَتَّقِي بِيَدِهِ،وَيَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ،فَأَتَوْهُ،فَقَالُوا:مَا لَكَ يَا أَبَا الْحَكَمِ ؟ قَالَ:إِنَّا بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً.قَالَ أَبُو الْمُعْتَمِرِ:فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلاَ: {أَرَأَيْتَ الَّذِيَ يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى} [العلق] إِلَى آخِرِهِ {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} [العلق] ،قَالَ قَوْمُهُ: {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} [العلق] قَالَ الْمَلاَئِكَةُ: {لاَ تُطِعْهُ} [العلق] ،ثُمَّ أَمَرَهُ بِمَا أَمَرَهُ مِنَ السُّجُودِ فِي آخِرِ السُّورَةِ،قَالَ:فَبَلَغَنِي عَنِ الْمُعْتَمِرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:لَوْ دَنَا مِنِّي لاَخْتَطَفَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا. [1]
وفي ضوء هذا المصير المتخيل الرعيب ..تختم السورة بتوجيه المؤمن الطائع إلى الإصرار والثبات على إيمانه وطاعته ..« كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) كلا! لا تطع هذا الطاغي الذي ينهى عن الصلاة والدعوة.واسجد لربك واقترب منه بالطاعة والعبادة.
ودع هذا الطاغي.الناهي.دعه للزبانية! ولقد وردت بعض الروايات الصحيحة بأن السورة - عدا المقطع الأول منها - قد نزلت في أبي جهل فعن ابن عباس قال:كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي عند المقام،فمرّ به أبو جهل بن هشام،فقال:يا محمد،ألم أنهك عن هذا؟ وتوعَّده،فأغلظ له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانتهره،فقال:يا محمد بأيّ شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديا،فأنزل الله: ( فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ) قال ابن عباس:لو دعا ناديه،أخذته زبانية العذاب من ساعته. [2] .
وعن ابن عباس،قال:كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي،فجاءه أبو جهل،فنهاه أن يصلي،فأنزل الله: ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى ) ...إلى قوله: ( كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ) فقال:لقد علم أني أكثر هذا الوادي نَادِيا،فغضب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ،فتكلم بشيء،قال داود:ولم أحفظه،فأنزل الله: ( فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ) فقال ابن عباس:فوالله لو فعل لأخذته الملائكة من مكانه. [3]
وعن أبي هريرة،قال:قال أبو جهل:هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال:فقيل نعم،قال:فقال:واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك،لأطأنّ على رقبته،لأعفرنّ وجهه في التراب،قال:فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ليطأ على رقبته،قال:فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على
(1) - صحيح مسلم- المكنز [18 /64] (7243 ) وصحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [14 /532] (6571) - زيادة مني
(2) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [24 /525] صحيح
(3) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [24 /526] صحيح