ونحن بهذا لا ننكر أن خارقة من الخوارق يمكن أن تقع لنبي كيعقوب من ناحية نبي كيوسف.كل ما هنالك أننا نحب أن نقف عند حدود مدلول النص القرآني أو رواية ذات سند صحيح.وفي هذا لم ترد رواية ذات سند صحيح.ودلالة النص لا تعطي هذا المدى الذي يريده المفسرون!
ولكن المحيطين بيعقوب لم يكن لهم ما له عند ربه،فلم يجدوا ما وجد من رائحة يوسف: « قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) » ..
في ضلالك بيوسف،وضلالك بانتظاره وقد ذهب مذهب الذي لا يعود.
ولكن المفاجأة البعيدة تقع،وتتبعها مفاجأة أخرى: « فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا » ..مفاجأة القميص.وهو دليل على يوسف وقرب لقياه.ومفاجأة ارتداد البصر بعد ما ابيضت عيناه ..وهنا يذكر يعقوب حقيقة ما يعلمه من ربه.تلك التي حدثهم بها من قبل فلم يفهموه:« قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) ..
« قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) » ..ونلمح هنا أن في قلب يعقوب شيئا من بنيه،وأنه لم يصف لهم بعد،وإن كان يعدهم باستغفار اللّه لهم بعد أن يصفو ويسكن ويستريح: « قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) » .وحكاية عبارته بكلمة «سوف» لا تخلو من إشارة إلى قلب إنساني مكلوم ..
ويمضي السياق في مفاجآت القصة.فيطوي الزمان والمكان،لنلتقي في المشهد النهائي المؤثر المثير:
« فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) » ..
ويا له من مشهد! بعد كر الأعوام وانقضاء الأيام.وبعد اليأس والقنوط.وبعد الألم والضيق.وبعد الامتحان والابتلاء .وبعد الشوق المضني والحزن الكامد واللهف الظامئ الشديد.
يا له من مشهد حافل بالانفعال والخفقان والفرح والدموع! ويا له من مشهد ختامي موصول بمطلع القصة:ذلك في ضمير الغيب وهذا في واقع الحياة.ويوسف بين هذا كله يذكر اللّه ولا ينساه:
« فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ » ..
ويذكر رؤياه ويرى تأويلها بين يديه في سجود إخوته له - وقد رفع أبويه على السرير الذي يجلس عليه - كما رأى الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين: « وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا » ..