وله بعد هذا وذاك صفة النظافة والأمانة والعدل المطلق،لأن الاحتكام فيه إلى أمر اللّه الذي لا يشوبه غرض ولا هوى،ولا يتعلق به نقص أو قصور ..ولكن البشرية البائسة تطلع وتعرج،وتكبو وتتعثر.وأمامها الطريق الواضح الممهد المستقيم!
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا،لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ،عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ،عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ.وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ،وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ.بِئْسَ الِاسْمُ:الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ.وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» . [1] .
إن المجتمع الفاضل الذي يقيمه الإسلام بهدى القرآن مجتمع له أدب رفيع،ولكل فرد فيه كرامته التي لا تمس.وهي من كرامة المجموع.ولمز أي فرد هو لمز لذات النفس،لأن الجماعة كلها وحدة،كرامتها واحدة.
والقرآن في هذه الآية يهتف للمؤمنين بذلك النداء الحبيب: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» .وينهاهم أن يسخر قوم بقوم،أي رجال برجال،فلعلهم خير منهم عند اللّه،أو أن يسخر نساء من نساء فلعلهن خير منهن في ميزان اللّه.
وفي التعبير إيحاء خفي بأن القيم الظاهرة التي يراها الرجال في أنفسهم ويراها النساء في أنفسهن ليست هي القيم الحقيقية،التي يوزن بها الناس.فهناك قيم أخرى،قد تكون خافية عليهم،يعلمها اللّه،ويزن بها العباد.
وقد يسخر الرجل الغني من الرجل الفقير.والرجل القوي من الرجل الضعيف،والرجل السوي من الرجل المؤوف.وقد يسخر الذكي الماهر من الساذج الخام.وقد يسخر ذو الأولاد من العقيم.وذو العصبية من اليتيم ...
وقد تسخر الجميلة من القبيحة،والشابة من العجوز،والمعتدلة من المشوهة،والغنية من الفقيرة ..ولكن هذه وأمثالها من قيم الأرض ليست هي المقياس،فميزان اللّه يرفع ويخفض بغير هذه الموازين! ولكن القرآن لا يكتفي بهذا الإيحاء،بل يستجيش عاطفة الأخوة الإيمانية،ويذكر الذين آمنوا بأنهم نفس واحدة من يلمزها فقد لمزها: «وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ» ..واللمز:العيب.ولكن للفظة جرسا وظلا فكأنما
(1) - اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالسُّخْرِيَةِ، وَتَحْرِيمِ اللَّمْزِ وَهُوَ الْغِيبَةُ وَالْوَقِيعَةُ، وَمَعْنَى { لَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ } [الحجرات:11] :أَيْ لَا يَلْمِزْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَتَحْرِيمُ التَّنَابُرِ بِالْأَلْقَابِ هُوَ أَنْ يَدَعَ الْوَاحِدُ أَنْ يَدْعُوَ صَاحِبَهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ أَبُوهُ، وَيَضَعَ لَهُ لَقَبًا يُرِيدُ أَنْ يُشِينَهُ بِهِ أَوْ يَسْتِذِلَّهُ فَيَدَعُوَهُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: { بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ } [الحجرات:11] ، فَأَبَانَ أَنَّ فِعْلَ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ فُسُوقٌ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ يُوجِبُ مُوَاصَلَةَ أَقْدَارِهِ الِاعْتِرَاضَ عَلَى الْمَوْجُودِ مِنْهُ بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: { وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [الحجرات:11] : [ص:71] أَيْ هُمُ الظَّالِمُونَ أَنْفُسُهُمْ بِسَوْقِهَا إِلَى النَّارِ، وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ"شعب الإيمان [9 /69] "