بما قدمه من عمل قبل وفاته،وبما أخره وراءه من آثار هذا العمل خيرا كان أم شرا.فمن الأعمال ما يخلف وراءه آثارا تضاف لصاحبها في ختام الحساب! ومهما اعتذر الإنسان بشتى المعاذير عما وقع منه،فلن يقبل منها عذر،لأن نفسه موكولة إليه،وهو موكل بها،وعليه أن يهديها إلى الخير ويقودها.فإذا انتهى بها إلى الشر فهو مكلف بها وحجة عليها: «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ» .
ومما يلاحظ أن كل شيء سريع قصير:الفقر.والفواصل.والإيقاع الموسيقي.والمشاهد الخاطفة.وكذلك عملية الحساب: «يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ» هكذا في سرعة وإجمال ..ذلك أنه رد على استطالة الأمد والاستخفاف بيوم الحساب!
ثم تجيء الآيات الأربع الخاصة بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في شأن الوحي وتلقي هذا القرآن: «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ.إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ.فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ.ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ» ..
وبالإضافة إلى ما قلناه في مقدمة السورة عن هذه الآيات،فإن الإيحاء الذي تتركه في النفس هو تكفل اللّه المطلق بشأن هذا القرآن:وحيا وحفظا وجمعا وبيانا وإسناده إليه سبحانه وتعالى بكليته.ليس للرسول - صلى الله عليه وسلم - من أمره إلا حمله وتبليغه.ثم لهفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشدة حرصه على استيعاب ما يوحى إليه وأخذه مأخذ الجد الخالص،وخشيته أن ينسى منه عبارة أو كلمة،مما كان يدعوه إلى متابعة جبريل عليه السلام في التلاوة آية آية وكلمة كلمة يستوثق منها أن شيئا لم يفته،ويتثبت من حفظه له فيما بعد! وتسجيل هذا الحادث في القرآن المتلو له قيمته في تعميق هذه الإيحاءات التي ذكرناها هنا وفي مقدمة السورة بهذا الخصوص.
الدرس الثالث:20 - 25 التوجيه لطلب الآخرة وحالة الوجوه الناظرة والوجوه الباسرة فيها
ثم يمضي سياق السورة في عرض مشاهد القيامة وما يكون فيها من شأن النفس اللوامة،فيذكرهم بحقيقة نفوسهم وما يعتلج فيها من حب للدنيا وانشغال،ومن إهمال للآخرة وقلة احتفال ويواجههم بموقفهم في الآخرة بعد هذا وما ينتهي إليه حالهم فيها.ويعرض لهم هذا الموقف في مشهد حي قوي الإيحاء عميق الإيقاع: «كَلَّا.بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ،وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ.وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ،إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ،تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ» ..
وأول ما يلحظ من ناحية التناسق في السياق هو تسمية الدنيا بالعاجلة في هذا الموضع.ففضلا عن إيحاء اللفظ بقصر هذه الحياة وسرعة انقضائها - وهو الإيحاء المقصود - فإن هناك تناسقا بين ظل اللفظ وظل الموقف السابق المعترض في السياق،وقول اللّه تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ» ..فهذا التحريك وهذه العجلة هي أحد ظلال السمة البشرية في الحياة الدنيا ..وهو تناسق في الحس لطيف دقيق يلحظه التعبير القرآني في الطريق!