يقسم اللّه - سبحانه - بهذه الخلائق الأربع على: «إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ.وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ» ..وقد وعد اللّه الناس:أنه مجازيهم بالإحسان إحسانا،ومجازيهم بالسوء سوءا.وأنه إذا أمهلهم الحساب في الأرض،فليس بمهمل حسابهم في الآخرة فالحساب لا بد منه هناك!
«وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ» ..فالوعد صادق حتما إما هنا وإما هناك ..ومما وعدهم كذلك الرزق وكفالته لهم مبسوطا أو مقدرا - وفق مشيئته - ووعده حق في هذا كما هو حق في كل شأن.ولا بد أن يتحقق ما وعد اللّه به الناس في الصورة التي يريدها،وفي الوقت الذي يريده،وما يحتاج الأمر إلى قسم منه - سبحانه - إنما يقسم بخلائقه تلك لتوجيه القلب إليها - كما تقدم - وتدبر ما وراءها من إبداع وقدرة وتدبير يوحي للقلب بأن وعد اللّه - بارئ هذه الخلائق بهذا النظام وهذا التقدير - لا بد صادق وأن حسابه على الخير والشر والصلاح والفساد لا بد واقع.فإن طبيعة هذه الخلائق توحي بأن الأمر ليس عبثا ولا مصادفة ولا جزافا ..وهكذا تصبح تلك الخلائق آيات وبراهين ذات دلالة إيحائية قوية بفضل هذا القسم الذي يلفت القلب إليها لفتا،ويوجه الحس إليها توجيها.فهي طريقة من طرق الإيحاء والتربية،ومخاطبة الفطرة بلغة الكون خطابا مباشرا!
والقسم الثاني كذلك .. «وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ،إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ،يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ» ..
يقسم بالسماء المنسقة المحكمة التركيب.كتنسيق الزرد المتشابك المتداخل الحلقات ..وقد تكون هذه إحدى هيئات السحب في السماء حين تكون موشاة كالزرد مجعدة تجعد الماء والرمل إذا ضربته الريح.وقد يكون هذا وضعا دائما لتركيب الأفلاك ومداراتها المتشابكة المتناسقة.
يقسم بالسماء المنسقة المحبوكة على أنهم في قول مختلف،مضطرب لا قوام له ولا قرار،ولا ثبات له ولا استقرار،يصرف عنه من صرف ويبقى عليه من بقي،فلا استقرار عليه ولا توافق ولا ثبات.بل الحيرة دائمة والقلق لا يزال.وكذلك الباطل دائما أرض مرجرجة مهتزة وتيه لا معالم فيه ولا نور وهو يتأرجح ولا يفيء إلى أصل ثابت،ولا ميزان دقيق.ولا يجتمع عليه أهله إلا لينصرفوا ويتفرقوا بعد حين ويدب الخلاف بينهم والشقاق ..ويتضح اضطرابهم واختلاف هم وما هم فيه من الأمر المريج:حين يعرض في ظل السماء ذات الحبك المنسقة التركيب.
ثم يستطرد فيقرر أنهم يعيشون في أوهام وظنون في أمر الآخرة،لا يستندون فيها إلى حق أو يقين.فهم في قول مختلف في هذا الحق المبين.ثم يصور لهم ذلك اليوم في مشهد حي تتملاه العيون: «قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ.الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ.يَسْئَلُونَ:أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ؟ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ.ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ،هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ» ..والخرص:الظن والتقدير الجزاف الذي لا يقوم على ميزان دقيق.واللّه - سبحانه - يدعو عليهم بالقتل.