الخلق.والحق في تقويم مشاعر الناس وأعمالهم فلا يكون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ولا يكون وزن المتقين كوزن الفجار.والحق الذي جاء به الكتاب المبارك الذي أنزله اللّه ليتدبروا آياته وليتذكر أصحاب العقول ما ينبغي أن يتذكروه من هذه الحقائق الأصيلة،التي لا يتصورها الكافرون،لأن فطرتهم لا تتصل بالحق الأصيل في بناء هذا الكون،ومن ثم يسوء ظنهم بربهم ولا يدركون من أصالة الحق شيئا .. «ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ» ..
إن شريعة اللّه للناس طرف من ناموسه في خلق الكون.وإن كتابه المنزل بيان للحق الذي يقوم عليه الناموس.
وإن العدل الذي يطالب به الخلفاء في الأرض والحكام بين الناس إنما هو طرف من الحق الكلي،لا يستقيم أمر الناس إلا حين يتناسق مع بقية الأطراف.وإن الانحراف عن شريعة اللّه والحق في الخلافة والعدل في الحكم إنما هو انحراف عن الناموس الكوني الذي قامت عليه السماء والأرض وهو أمر عظيم إذن،وشر كبير،واصطدام مع القوى الكونية الهائلة لا بد أن يتحطم في النهاية ويزهق.فما يمكن أن يصمد ظالم باغ منحرف عن سنة اللّه وناموس الكون وطبيعة الوجود ..ما يمكن أن يصمد بقوته الهزيلة الضئيلة لتلك القوى الساحقة الهائلة،ولعجلة الكون الجبارة الطاحنة! وهذا ما ينبغي أن يتدبره المتدبرون وأن يتذكره أولو الألباب ..
وبعد هذا التعقيب المعترض في صلب القصة لكشف تلك الحقيقة الضخمة،يمضي السياق يعرض نعمة اللّه على داود في عقبه وولده سليمان وما وهبه اللّه من ألوان الإنعام والإفضال.كما يعرض فتنته وابتلاءه ورعاية اللّه له،وإغداقه عليه بعد الفتنة والابتلاء:وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ.نِعْمَ الْعَبْدُ.إِنَّهُ أَوَّابٌ.إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ.فَقالَ:إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ.رُدُّوها عَلَيَّ.فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ.وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ.قالَ:رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي،إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ.وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ.وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ.هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ.وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ».
والإشارتان الواردتان هنا عن الصافنات الجياد وهي الخيل الكريمة.وعن الجسد الذي ألقي على كرسي سليمان ..كلتاهما إشارتان لم تسترح نفسي لأي تفسير أو رواية مما احتوته التفاسير والروايات عنهما.فهي إما إسرائيليات منكرة،وإما تأويلات لا سند لها.ولم أستطع أن أتصور طبيعة الحادثين تصورا يطمئن إليه قلبي،فأصوره هنا وأحكيه.ولم أجد أثرا صحيحا أركن إليه في تفسيرهما وتصويرهما سوى حديث صحيح.صحيح في ذاته ولكن علاقته بأحد هذين الحادثين ليست أكيدة.هذا الحديث هو ما رواه أبو هريرة - رضي اللّه عنه - عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وأخرجه