البخاري في صحيحه مرفوعا عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ،فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .فَلَمْ يَقُلْ،وَلَمْ تَحْمِلْ شَيْئًا إِلاَّ وَاحِدًا سَاقِطًا إِحْدَى شِقَّيْهِ » .فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « لَوْ قَالَهَا لَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ » [1] ...
وجائز أن تكون هذه هي الفتنة التي تشير إليها الآيات هنا،وأن يكون الجسد هو هذا الوليد الشق.ولكن هذا مجرد احتمال ..أما قصة الخيل فقيل:إن سليمان - عليه السّلام - استعرض خيلا له بالعشي.ففاتته صلاة كان يصليها قبل الغروب.فقال ردوها عليّ.فردوها عليه فجعل يضرب أعناقها وسيقانها جزاء ما شغلته عن ذكر ربه.ورواية أخرى أنه إنما جعل يمسح سوقها وأعناقها إكراما لها لأنها كانت خيلا في سبيل اللّه ..وكلتا الروايتين لا دليل عليها.ويصعب الجزم بشيء عنها.ومن ثم لا يستطيع متثبت أن يقول شيئا عن تفصيل هذين الحادثين المشار إليهما في القرآن.
وكل ما نخرج به هو أنه كان هناك ابتلاء من اللّه وفتنة لنبي اللّه سليمان - عليه السّلام - في شأن يتعلق بتصرفاته في الملك والسلطان كما يبتلي اللّه أنبياءه ليوجههم ويرشدهم،ويبعد خطاهم عن الزلل.وأن سليمان أناب إلى ربه ورجع،وطلب المغفرة واتجه إلى اللّه بالدعاء والرجاء: «قالَ:رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» ..
وأقرب تأويل لهذا الطلب من سليمان - عليه السّلام - أنه لم يرد به أثرة.إنما أراد الاختصاص الذي يتجلى في صورة معجزة.فقد أراد به النوع.أراد به ملكا ذا خصوصية تميزه من كل ملك آخر يأتي بعده.وذا طبيعة معينة ليست مكررة ولا معهودة في الملك الذي يعرفه الناس.
وقد استجاب له ربه،فأعطاه فوق الملك المعهود،ملكا خاصا لا يتكرر: «فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ.وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ.وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ» .
وتسخير الريح لعبد من عباد اللّه بإذن اللّه لا يخرج في طبيعته عن تسخير الريح لإرادة اللّه.وهي مسخرة لإرادته تعالى ولا شك،تجري بأمره وفق نواميسه فإذا يسر اللّه لعبد من عباده في فترة من الفترات أن يعبر عن إرادة اللّه سبحانه وأن يوافق أمره أمر اللّه فيها وأن تجري الريح رخاء حيث أراد فذلك أمر ليس على اللّه بمستبعد.ومثله يقع في صور شتى.واللّه سبحانه يقول في القرآن للرسول - صلى الله عليه وسلم - «لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ،ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا» ..فما معنى هذا؟ معناه أنهم إذا لم ينتهوا فستتجه إرادتنا إلى تسليطك عليهم وإخراجهم من المدينة.وسيتم هذا بتوجيه إرادتك أنت ورغبتك إلى قتالهم وإخراجهم فتتم إرادتنا بهم عن طريقك.فهذا لون من توافق أمر اللّه - سبحانه - وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وإرادة اللّه وأمره هما
(1) -صحيح البخارى- المكنز [12 /125] ( 3424 )