وهو كتاب واحد في حقيقته،جاء به الرسل جميعا. فهو كتاب واحد في أصله،وهي ملة واحدة في عمومها،وهو تصور واحد في قاعدته:إله واحد،ورب واحد،ومعبود واحد،ومشرّع واحد لبني الإنسان .. ثم تختلف التفصيلات بعد ذلك وفق حاجات الأمم والأجيال ووفق أطوار الحياة والارتباطات حتى تكون الصورة الأخيرة التي جاء بها الإسلام،وأطلق الحياة تنمو في محيطها الواسع الشامل بلا عوائق.بقيادة اللّه ومنهجه وشريعته الحية المتجددة في حدود ذلك المحيط الشامل الكبير. [1]
وقال رحمه الله":إن الإسلام يضع «الْكِتابَ» الذي أنزله اللّه «بِالْحَقِّ» ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ..يضع هذا الكتاب قاعدة للحياة البشرية.ثم تمضي الحياة.فإما اتفقت مع هذه القاعدة،وظلت قائمة عليها،فهذا هو الحق.وإما خرجت عنها وقامت على قواعد أخرى،فهذا هو الباطل ..هذا هو الباطل ولو ارتضاه الناس جميعا."
في فترة من فترات التاريخ.فالناس ليسوا هم الحكم في الحق والباطل.وليس الذي يقرره الناس هو الحق،وليس الذي يقرره الناس هو الدين.إن نظرة الإسلام تقوم ابتداء على أساس أن فعل الناس لشيء،وقولهم لشيء،وإقامة حياتهم على شيء ..لا تحيل هذا الشيء حقا إذا كان مخالفا للكتاب ولا تجعله أصلا من أصول الدين ولا تجعله التفسير الواقعي لهذا الدين ولا تبرره لأن أجيالا متعاقبة قامت عليه ..
وهذه الحقيقة ذات أهمية كبرى في عزل أصول الدين عما يدخله عليها الناس!
وفي التاريخ الإسلامي مثلا وقع انحراف،وظل ينمو وينمو ..فلا يقال:إن هذا الانحراف متى وقع وقامت عليه حياة الناس فهو إذن الصورة الواقعية للإسلام! كلا! إن الإسلام يظل بريئا من هذا الواقع التاريخي.ويظل هذا الذي وقع خطأ وانحرافا لا يصلح حجة ولا سابقة ومن واجب من يريد استئناف حياة إسلامية أن يلغيه ويبطله،وأن يعود إلى الكتاب الذي أنزله اللّه بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه .. [2]
قال رحمه الله:" «وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ،وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ» .والآية تصف واقعة حال على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - حين كان المشركون يهشون ويبشون إذا ذكرت آلهتهم وينقبضون وينفرون إذا ذكرت كلمة التوحيد.ولكنها تصف حالة نفسية تتكرر في شتى البيئات والأزمان.فمن الناس من تشمئز قلوبهم وتنقبض نفوسهم كلما دعوا إلى اللّه وحده إلها،وإلى شريعة اللّه وحدها قانونا،وإلى منهج اللّه وحده نظاما.حتى إذا ذكرت المناهج"
(1) - في ظلال القرآن - دار الشروق ـ القاهرة [1 /216]
(2) - في ظلال القرآن - دار الشروق ـ القاهرة [1 /217]