الأرضية والنظم الأرضية والشرائع الأرضية هشوا وبشوا ورحبوا بالحديث،وفتحوا صدورهم للأخذ والرد.هؤلاء هم بعينهم الذين يصور اللّه نموذجا منهم في هذه الآية،وهم بذاتهم في كل زمان ومكان.هم الممسوخو الفطرة،المنحرفو الطبيعة،الضالون المضلون،مهما تنوعت البيئات والأزمنة،ومهما تنوعت الأجناس والأقوام.والجواب على هذا المسخ والانحراف والضلال هو ما لقنه اللّه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في مواجهة مثل هذه الحال: «قُلِ:اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ،أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» ..إنه دعاء الفطرة التي ترى السماء والأرض ويتعذر عليها أن تجد لها خالقا إلا اللّه فاطر السماوات والأرض،فتتجه إليه بالاعتراف والإقرار.وتعرفه بصفته اللائقة بفاطر السماوات والأرض. «عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ» المطلع على الغائب والحاضر،والباطن والظاهر. «أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» ..فهو وحده الحكم يوم يرجعون إليه.وهم لا بد راجعون. [1]
وقال رحمه الله:"كيف عالج القرآن المكي قضية العقيدة في خلال الثلاثة عشر عاما ..إنه لم يعرضها في صورة «نظرية» ! ولم يعرضها في صورة «لاهوت» ولم يعرضها في صورة جدل كلامي كالذي زاوله فيما بعد ما سمي ب «علم التوحيد» أو «علم الكلام» ! كلا ..لقد كان القرآن الكريم يخاطب فطرة «الإنسان» بما في وجوده هو وبما في الوجود من حوله من دلائل وإيحاءات ..كان يستنقذ فطرته من الركام ويخلص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران عليها وعطل وظائفها ويفتح منافذ الفطرة لتتلقى الموحيات المؤثرة وتستجيب لها ..والسورة التي بين أيدينا نموذج كامل من هذا المنهج المتفرد وسنتحدث عن خصائصها بعد قليل .."
هذا بصفة عامة.وبصفة خاصة كان القرآن يخوض بهذه العقيدة معركة حية واقعية ..كان يخوض بها معركة مع الركام المعطل للفطرة ..في نفوس آدمية حاضرة واقعة ..ومن ثم لم يكن شكل «النظرية» هو الشكل الذي يناسب هذا الواقع الحاضر.إنما كان هو شكل المواجهة الحية للعقابيل والسدود والحواجز والمعوقات النفسية والواقعية في النفوس الحاضرة الحية ..ولم يكن الجدل الذهني الذي انتهجه - في العصور المتأخرة - علم التوحيد،هو الشكل المناسب كذلك ..فلقد كان القرآن يواجه واقعا بشريا كاملا بكل ملابساته الحية ويخاطب الكينونة البشرية بجملتها في خضم هذا الواقع ..وكذلك لم يكن «اللاهوت» هو الشكل المناسب.
فإن العقيدة الإسلامية ولو أنها عقيدة،إلا أنها عقيدة تمثل منهج حياة واقعية للتطبيق العملي ولا تقبع في الزاوية الضيقة التي تقبع فيها الأبحاث اللاهوتية النظرية! كان القرآن وهو يبني العقيدة في ضمائر
(1) - في ظلال القرآن - دار الشروق ـ القاهرة [5 /3055]